هذا الأردن أردنُنا .. وليس ساحةً للمصالح
المهندس احمد الغزو
12-03-2026 03:29 AM
في زمنٍ مضطربٍ تضطرب فيه خرائط المنطقة، وتتعاظم فيه الصراعات من حولنا، يقف الأردن مرة أخرى في قلب العاصفة.
شرقٌ أوسط يشتعل بالحروب، وقوى كبرى تتصارع فوق أرضه وتحت سمائه، وشعوبٌ تدفع ثمن الحسابات الدولية.
وسط هذا المشهد الملبّد، يظل الأردن بلدًا صغيرًا في الجغرافيا… كبيرًا في الصبر.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مجاملة:
الأردنيون لم يعودوا يخشون الأخطار القادمة من الخارج بقدر ما يخشون الارتباك والانقسام داخل البيت الواحد.
فالوطن الذي صمد أمام أزمات المنطقة لعقود طويلة لا يجوز أن يُتعبه أبناؤه أكثر مما أتعبته الظروف.
هذا البلد لم يُبنَ بالمصادفة. بُني بعرق الناس، بصبرهم، بتضحيات الجنود والمعلمين والمهندسين والعمال والموظفين، وبإيمان أجيال كاملة أن الأردن يستحق أن يبقى آمنًا ومستقرًا مهما اشتدت العواصف.
لكن ما يقلق الناس اليوم ليس فقط ما يجري في الإقليم…
بل ما يجري داخل المؤسسات التي يفترض أن تحمي مصالحهم.
فالناس ترى وتسمع، وتراقب ما يدور حول القوانين والقرارات والملفات الحساسة التي تمس حياتهم ومستقبل أبنائهم.
ومن بين هذه الملفات قضية صندوق تقاعد المهندسين، الذي لم يعد مجرد ملف نقابي، بل أصبح قضية تمس استقرار آلاف الأسر التي ترى فيه ضمانًا لأيامها القادمة.
إن أي مساس بمثل هذه الصناديق يجب أن يُناقش بأعلى درجات الشفافية والمسؤولية.
فهي ليست أرقامًا في دفاتر مالية، بل تعب سنوات طويلة من العمل والالتزام.
والناس اليوم تسأل سؤالًا بسيطًا وصريحًا:
أين يقف ممثلو الشعب من هذه القضايا؟
فالنيابة ليست لقبًا يُكتب على بطاقة تعريف، ولا موقعًا للوجاهة الاجتماعية.
النيابة مسؤولية ثقيلة، وموقعها الحقيقي هو الوقوف مع الناس، لا الابتعاد عنهم.
الأردنيون لا يطلبون المستحيل…
كل ما يريدونه هو أن يشعروا أن صوتهم مسموع، وأن القضايا التي تمس حياتهم تُناقش بصدق ووضوح، لا خلف الأبواب المغلقة.
لقد تعب الناس من لغة التطمين التي لا تتبعها أفعال،
وتعبوا من النقاشات التي تدور في حلقات مغلقة بينما هم يدفعون ثمن القرارات.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس الفقر، ولا الضغوط الخارجية…
بل تآكل الثقة بين الناس ومؤسساتهم.
فالدول التي تفقد الثقة تفقد معها القدرة على الصمود.
والأردن لا يستحق أن يصل إلى هذه المرحلة.
هذا البلد بلدنا جميعًا.
ليس ملكًا لفئة، ولا ساحةً لتجارب سياسية، ولا ميدانًا لتصفية الحسابات.
هذا الأردن أردنُنا…
بنينا فيه بيوتنا، وربّينا فيه أبناءنا، وربطنا به مستقبلنا.
ولذلك نقولها بوضوح:
لا يجوز لأحد أن يتعامل مع هذا الوطن وكأنه ساحة مصالح ضيقة.
الأردن أكبر من ذلك…
وأغلى من أن يُرهق أكثر مما أُرهق.
في البادية يقولون كلمة تختصر المعنى كله:
“الدار اللي تعبنا في بنائها… ما بنتركها لخصام أهلها.”
نختلف نعم…
نحاسب نعم…
ننتقد نعم…
لكننا في النهاية نحمي هذا البيت لأنه بيتنا جميعًا.
حمى الله الأردن…
وأبقى فيه من الحكمة ما يجعل أبناءه قادرين على إصلاح أخطائهم قبل أن تتسع.