"الدولة الرقمية" .. هل نُرقمن الخدمات أم نُرقمن المعاناة؟
فيصل تايه
12-03-2026 11:11 AM
أصبح التحول الرقمي عنواناً أساسياً لأي دولة تسعى إلى التحديث، والكفاءة، وتقريب الخدمات من مواطنيها ، وفي الأردن، جرى تبني مفهوم “الدولة الرقمية” بوصفه خطوة متقدمة نحو إدارة أكثر مرونة وشفافية، واستُثمر في المنصات والأنظمة والواجهات الإلكترونية باعتبارها بوابة لعصر جديد من الخدمات الحكومية. غير أن السؤال الجوهري اليوم لم يعد: هل نتحول رقمياً؟ بل: كيف نتحول؟ ولمن يكون هذا التحول؟
في المفهوم النظري، تعني الدولة الرقمية تبسيط الإجراءات، تقليص الزمن، تخفيف الاحتكاك البيروقراطي، وتمكين المواطن من إنجاز معاملاته بسهولة وكرامة ، لكن في التجربة العملية، يشعر كثير من المواطنين أن التحول الرقمي لم يلغِ التعقيد بقدر ما أعاد إنتاجه بصيغة مختلفة ، فانتقلت البيروقراطية من الشباك إلى الشاشة، ومن الورق إلى المنصة، دون إعادة نظر حقيقية في جوهر الإجراء نفسه.
المشكلة هنا ليست في التقنية، ولا في النوايا المعلنة، بل في الفلسفة التي تدار بها الرقمنة ، فحين تحول إجراءات معقدة أصلاً إلى نسخ إلكترونية، فإن النتيجة تكون خدمات رقمية معقدة أيضاً ، وحين يُطلب من المواطن أن يتكيف مع أنظمة لا تراعي الفروقات العمرية أو المعرفية أو الجغرافية، تتحول الخدمة الرقمية من أداة تسهيل إلى عبء إضافي، ومن وعد بالتحديث إلى مصدر إحباط جديد.
إن التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ بإطلاق المنصات، بل بإعادة هندسة الإجراءات ، إذ يبدأ بطرح أسئلة بسيطة لكنها جوهرية: هل هذا الإجراء ضروري أصلاً؟ هل يمكن اختصاره؟ هل يخدم المواطن أم يحمي النظام؟ ومن دون هذه الأسئلة، تصبح الرقمنة قشرة تحديث، لا إصلاحاً إدارياً حقيقياً، ويصبح الإنجاز شكلياً أكثر منه مؤثراً.
ولا يمكننا في هذا السياق إلا أن نثمن الخطوات الجادة التي اتخذتها الدولة، متمثلة بوزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، في إطلاق "تطبيق سند" كبوابة موحدة للخدمات الحكومية ، اذ إنها خطوة تعكس إرادة حقيقية لجمع شتات المعاملات في منصة واحدة ، بيد أن التحدي الحقيقي يكمن في "رحلة المستخدم" ، فبين تعقيدات التفعيل أحياناً، وبين اضطرار المواطن لمراجعة الدائرة "ورقياً" لإتمام ما بدأه "رقمياً" نتيجة عدم استكمال بعض الوزارات لرقمنة كافة إجراءاتها، تبرز الحاجة لأن يكون (سند) هو نهاية المطاف للمعاناة الإجرائية، لا مجرد محطة إضافية في طريقها.
وهنا تكمن العقدة ، فنجاح منصة مثل (سند) يبقى رهيناً بمدى التكامل المؤسسي الحقيقي والتنسيق عالي المستوى ، إذ إن بقاء بعض الخدمات الوزارية خارج مظلة الرقمنة الشاملة يفرض عبئاً كبيراً على المواطن، ويجبره على العودة للمراجعة الشخصية لإتمام معاملته، ما يجعله يتنقل "رقمياً" و"ميدانياً" بين جهات متعددة، وكأننا لم نغادر عصر النوافذ المتعددة، بل أعدنا إنتاجه بواجهات أجمل وتعقيد أعمق ، لذلك فإن اكتمال الصورة بحلتها النهائية يتطلب إدراج كافة الخدمات في المنصة بفعالية وتنسيق عالي المستوى، حتى لا يتحول المشروع الذي وُلد لتسهيل حياة الناس إلى عامل ضغط جديد عليهم نتيجة نقص التنسيق أو "نصف الرقمنة".
النقد هنا ليس رفضاً للدولة الرقمية، بل دفاعاً عنها. فالدولة التي تنجح في رقمنة خدماتها بذكاء، تكسب ثقة مواطنيها، وتحسّن كفاءة إدارتها، وتخفف العبء عن موظفيها ومراجعيها في آن واحد. أما الدولة التي تكتفي برقمنة الشكل دون المضمون، فإنها تخاطر بتحويل مشروع التحديث إلى تجربة تراكم الإحباط بصمت، وتهدر فرصة إصلاح إداري طال انتظاره.
خلاصة القول، إن نجاح الدولة الرقمية لن يقاس بحجم الاستثمارات ولا بعدد المنصات، بل بقدرتها على أن تشعر المواطن بأن الدولة باتت أقرب إليه لا أعقد، وأبسط لا أثقل. فالتحول الرقمي الحقيقي هو ذاك الذي يختصر القرار قبل أن يختصر الإجراء، ويعيد التفكير في الخدمة قبل أن يعيد تصميم واجهتها.
وأخيراً: فما لم تُدَر الرقمنة بوصفها مشروع إصلاح إداري شامل ينسق الجهود بين كافة الوزارات والمؤسسات، لا ملفاً تقنياً منفصلاً، فإن الخطر لا يكمن في فشل الدولة الرقمية، بل في نجاحها الشكلي الذي يراكم الإحباط بصمت. والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً أمام صناع القرار ليس: كم خدمة رُقمنت؟ بل: كم معاناة أُلغيت فعلاً؟
والله الموفق