facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما تصبح "البندورة" أزمة وطنية


فيصل تايه
13-03-2026 11:00 PM

​أن يصل سعر كيلو "البندورة" إلى أكثر من دينار ونصف في هذا الشهر الفضيل، فهذه ليست مجرد زيادة في الأسعار، بل صرخة مدوية تكشف خللاً صارخاً في إدارة السوق الزراعي وفشلاً ذريعاً في حماية المواطن.

"البندورة" التي كانت دائماً رمزاً لبساطة المائدة اليومية تحولت فجأة إلى عبء ثقيل على جيب المواطن، وكأنها سلعة نادرة مستوردة، بينما هي منتج محلي يزرعه مزارعونا في أرض هذا الوطن، ومن المفترض أن تكون متاحة للجميع بأسعار معقولة ، لكن هذه الارتفاعات المباغتة هي اختبار يومي لصبر الناس وقدرتهم على العيش بكرامة، بل وتحمل رسالة صادمة عن فشل المسؤولين في حماية أبسط حقوق المواطنين.

​اننا ونحن في رمضان، تعودنا أن تكون الأسواق أكثر انضباطاً وأن تكون الرقابة أكثر حضوراً، لأن هذا الشهر يضاعف استهلاك الأسر ويجعل أي ارتفاع في الأسعار صدمة مضاعفة على الناس ، لكن ما يحدث على أرض الواقع يبعث على الاستغراب ، سوق تتقلب فيها الأسعار بلا ضابط كاف، ومواطن يقف أمام رفوف الخضار حائراً بين حاجته اليومية وقدرته المحدودة على الشراء، يحسب ما في جيبه قبل أن يحسب ما يحتاجه بيته ، فكل زيارة للسوق تحولت إلى معركة جديدة مع الأرقام والفوضى اليومية، وكأن المائدة الرمضانية أصبحت ملعباً للتجار المضاربين والمحتكرين، بينما المواطن هو الحلقة الأضعف التي تتحمل كل الخسائر والتقلبات.

​المشكلة ليست في "البندورة" وحدها، بل في السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لمنتج محلي أساسي أن يقفز بهذا الشكل في السعر دون تدخل الجهات المسؤولة سريعاً لضبط التوازن بين المزارع والتاجر والمستهلك؟ وما يثير الريبة أكثر، هو تلك الفجوة الهائلة بين السعر الذي يبيعه المزارع في حقله وبين السعر الذي يدفعه المواطن في السوق ، وهنا تبرز سطوة "الحلقات الوسيطة" وسماسرة الأسواق المركزية الذين يتحكمون بمفاصل العرض والطلب ، فهؤلاء الوسطاء يحصدون الأرباح الأكبر دون عناء الإنتاج، بينما يقع المزارع والمستهلك معاً في فخ "الكماشة"؛ فالمزارع يبيع بجهده وعرقه بأسعار زهيدة لا تغطي كلفته، والمواطن يشتري بأسعار فلكية، ليبقى الربح الحقيقي محصوراً في يد فئة تقتات على غياب التنظيم الصارم وتستغل غياب الرقابة الفاعلة.

​صحيح أن الزراعة قطاع معقد يتأثر بالطقس وتكاليف الإنتاج والنقل، لكن هذه العوامل لا يجوز أن تتحول إلى "شماعة" دائمة للفوضى في الأسعار ، فالسوق تحتاج إلى إدارة واعية: تخطيط للإنتاج، تنظيم للتسويق، ورقابة حقيقية تمنع أي استغلال يرهق المواطن ، فالأعذار الجاهزة لم تعد مقنعة، خاصة عندما يكون المنتج محلياً متوفراً في المزارع، ومع ذلك المواطن يجبر على دفع ثمن فشل الإدارة وغياب الرقابة ، فكل دينار إضافي هو صدمة مباشرة على المائدة، وكل كيلو بندورة يتحول إلى مؤشر صارخ على استهتار السوق بالمواطن.

​المواطن اليوم لا يبحث عن تفسيرات طويلة ولا جدالات اقتصادية معقدة ، ما يريده بسيط وواضح: أن يدخل السوق ويشتري احتياجات أسرته الأساسية بسعر معقول، دون أن يشعر أن كل زيارة للسوق معركة جديدة ، فحماية المائدة اليومية هي أساس الاستقرار الاجتماعي، وكلما ضاقت قدرة الناس على تأمين احتياجاتهم الأساسية، اتسعت الفجوة بين الواقع الذي يعيشونه والتوقعات التي ينتظرونها من المؤسسات المعنية بتنظيم السوق وحماية المواطنين.

​رمضان ليس وقتاً للربح السريع أو لاستغلال حاجة الناس، بل شهر للتخفيف عنهم ، والفشل اليوم في ضبط الأسعار ليس مجرد خطأ إداري، بل إهانة مباشرة لقدرة الناس على العيش بكرامة ، لذا، فإن المطلوب اليوم ليس بيانات مطمئنة ولا تصريحات عامة، بل إجراءات واضحة وسريعة تعيد التوازن للأسواق ، وتبدأ أولاً بتفعيل الدور الرقابي لوزارة الصناعة والتجارة والتموين عبر فرض "سقوف سعرية" عادلة تلجم تغول الوسطاء وتكبح جماح الارتفاع غير المبرر ، كما لا يمكن إغفال قضية "تصدير البندورة" التي تجري أحياناً على حساب كفاية السوق المحلي ، فالأولوية القصوى يجب أن تكون لتعزيز "الأمن الغذائي" الداخلي، وضمان توفر الكميات التي تلبي احتياجات الناس بأسعار معقولة قبل التفكير في توريدها للخارج، خاصة في المواسم التي يشتد فيها الضغط على مائدة الأسر الأردنية.

​ختاماً، "البندورة" اليوم ليست مجرد سلعة غذائية، بل مقياس حقيقي لنجاح أو فشل الإدارة الاقتصادية ، وكل يوم يمر بلا تدخل، يعني استمرار تحليق الأسعار بلا سقف، بينما المواطن يبقى الحلقة الأضعف ، وإن رمضان هذا العام يضعنا أمام حقيقة صادمة: لا استقرار للمجتمع ولا كرامة للمواطن، إذا استمر غياب الرقابة والإجراءات الواقعية. فالبندورة ليست مجرد خضار، إنها مؤشر على القدرة أو العجز في حماية حياة الناس الأساسية، ومقياس صريح لتجاهل المسؤولين لما يعانيه المواطن من ضغوط يومية على مائدته.

​والله من وراء القصد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :