الضمان الاجتماعي بين القلق الشعبي والقرارات الحكومية
لانا ارناؤوط
13-03-2026 11:27 PM
في كل دول العالم، تقوم فكرة الضمان الاجتماعي على مبدأ بسيط وواضح: أن يقتطع العامل جزءًا من دخله اليوم ليحصل على الأمان غدًا، إنها معادلة الثقة بين المواطن والدولة، حيث يدفع الناس أموالهم لسنوات طويلة وهم مطمئنون إلى أن هذه الأموال ستعود إليهم عند التقاعد أو عند الحاجة لكن في الأردن، بدأت هذه المعادلة تهتز، ليس لأن المواطنين فقدوا ثقتهم فجأة، بل لأن التصريحات الرسمية والقرارات الحكومية باتت تثير المزيد من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.
خلال الفترة الأخيرة، صدرت تصريحات متكررة من وزارة العمل حول أوضاع مؤسسة الضمان الاجتماعي، محاولة طمأنة الشارع بأن الأمور تحت السيطرة ، غير أن هذه الطمأنات لم تكن كافية لإقناع المواطنين، بل ربما زادت القلق فالمؤسسة التي تجمع الاشتراكات من ملايين العاملين ومن آلاف المؤسسات يفترض أن تكون مؤسسة رابحة بطبيعتها، لأنها لا تقدم خدمات مجانية، بل تستثمر أموال المشتركين لسنوات طويلة قبل أن تعيدها إليهم.
وهنا يظهر السؤال الذي يتردد على ألسنة الأردنيين: إذا كان المواطن يدفع، وصاحب العمل يدفع، والمؤسسة تستثمر الأموال، فكيف يمكن الحديث عن أزمة مالية مستقبلية؟
في إحدى المداخلات البرلمانية اللافتة، استحضر النائب محمد الظهراوي مثالًا بسيطًا لكنه عميق الدلالة قال إن الأمر يشبه “مقصف المدرسة” الذي كنا نعطيه في بداية السنة خمسةً وعشرين قرشًا، لنعود في نهاية العام فنستلم خمس دنانير كانت تلك صفقة رابحة للجميع، لأن المقصف يعرف كيف يدير المال ويستثمره ، أما في حالة الضمان الاجتماعي، فإن المعادلة تبدو معكوسة في نظر الكثيرين؛ المواطن يدفع طوال حياته العملية، ثم يسمع لاحقًا حديثًا عن عجز محتمل وأزمة قادمة.
هذه المفارقة تطرح تساؤلًا مشروعًا: أين ذهبت أرباح الاستثمارات؟ ومن المسؤول عن القرارات التي قد تكون أوصلت المؤسسة إلى هذا القلق المالي؟ إن مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست شركة خاصة يمكن أن تخطئ ثم تعلن إفلاسها، بل هي مؤسسة تقوم على أموال الناس ومدخراتهم، وأي خلل في إدارتها لا ينعكس على ميزانية عادية، بل على مستقبل مئات آلاف العائلات الأردنية.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الأرقام، بل في السياسات التي تحكم إدارة هذه الأموال ، فالقوانين التي تحكم الضمان الاجتماعي تحتاج إلى مراجعة حقيقية تضمن حماية أموال المشتركين واستدامة الصندوق للأجيال القادمة ، وإذا كانت الدراسات تشير إلى احتمال وجود أزمة مالية مستقبلية، فإن الحل لا يمكن أن يكون بزيادة الأعباء على المواطنين أو تقليص حقوقهم، بل بإصلاح الإدارة وتعزيز كفاءة الاستثمار ومحاسبة أي خلل حدث في السابق.
ومن أكثر المفارقات التي أثارت استغراب الشارع الأردني في هذه القضية أن الحكومة قررت إنشاء منصة إلكترونية كاملة لاستطلاع آراء المواطنين حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، قد يبدو الأمر ظاهريًا وكأنه خطوة ديمقراطية تستهدف إشراك الناس في القرار، لكن في الواقع يطرح تساؤلات أكثر مما يقدم إجابات، ففي ظل الحديث عن ضغوط مالية وتحديات اقتصادية، يصبح من المثير للدهشة أن يتم إنفاق موارد إضافية على إنشاء منصة جديدة، وكأن البلاد تحتمل مزيدًا من النفقات الإدارية بدل توجيه الجهد نحو معالجة جوهر المشكلة.
والسؤال الذي يطرحه المواطن ببساطة هو: من يمكن أن يقف مع قانون يراه مجحفًا بحقوقه ومدخراته؟ وهل ستعكس هذه المنصة فعلًا رأي الشارع، أم أننا سنجد أنفسنا أمام نتائج مصاغة بعناية لتظهر وكأنها تعبر عن قبول شعبي لما تريده الحكومة؟ هذه المخاوف لا تنبع من التشكيك لمجرد التشكيك، بل من تجارب متراكمة شعر فيها المواطن أن رأيه يُطلب شكليًا، بينما تُصنع القرارات الحقيقية في أماكن أخرى بعيدًا عن النقاش العام.
المواطن الأردني لم يرفض يومًا مبدأ التضامن الاجتماعي، بل كان من أكثر الشعوب التزامًا بدفع اشتراكاته رغم الظروف الاقتصادية الصعبة لكنه في المقابل يريد أن يرى إدارة رشيدة وشفافة لأمواله فالأموال التي تذهب إلى الضمان ليست تبرعات، بل هي حقوق مؤجلة يفترض أن تكون آمنة ومحمية.
إن حماية مؤسسة الضمان الاجتماعي ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل مسؤولية وطنية تبدأ بالشفافية الكاملة حول إدارة الأموال، ثم بمراجعة القوانين بما يضمن استدامة الصندوق وعدالته ، فهذه المؤسسة وُجدت لتكون صمام أمان للمجتمع، لا مصدر قلق لملايين المشتركين الذين يضعون فيها مدخرات عمرهم.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد في الشارع الأردني أكثر وضوحًا من أي خطاب رسمي: إذا كانت أموال الضمان تأتي من جيوب المواطنين والمؤسسات، فمن أين جاءت قصة العجز؟ وإلى متى سيبقى المواطن مطالبًا بالصبر، بينما ينتظر إجابات واضحة عن مستقبل مدخراته؟