حكومتنا .. لا تجعلوا الأردن كبش فداء ..
محمود الدباس - أبو الليث
15-03-2026 09:50 AM
في اللحظات التي يضيق فيها صدر الأوطان.. لا يكون الخطر دائماً من الخارج.. بل أحياناً من ذلك الشرخ الصامت.. والذي يبدأ صغيراً بين المواطن وبلده.. ثم يكبر شيئاً فشيئاً.. حتى يصبح السؤال الأكثر إيلاماً.. ليس كيف نحمي الوطن.. بل كيف أقنع الناس.. أن هذا الوطن يستحق أن يُحمى أصلاً..
لهذا يجب أن نقولها بوضوح لا لبس فيه.. الدولة شيء.. والحكومة شيء آخر تماماً..
الدولة هي الوطن بكل ما فيه من تاريخ.. وناس.. وكرامة.. وراية.. أما الحكومة فهي إدارة مؤقتة.. جاءت لتدير هذا البيت الكبير وفق القانون.. لقاء أجر.. لا أكثر ولا أقل..
لكن ما يراه الناس اليوم.. وللأسف يلمسوه بكل وضوح.. أن بعض الحكومات تتصرف وكأنها مالكة البيت.. لا خادمته.. وكأن مقدرات الوطن غنيمة مؤقتة يجب اقتسامها.. قبل أن ينتهي العمر القصير للمنصب.. فيغرف البعض ما استطاع من هذه الطنجرة.. لا لأن الوطن يسمح.. بل لأن الرقابة والمحاسبة ليست ضعيفة.. بل غائبة.. والخوف من فقدان الامتيازات والمصالح الشخصية.. يجعل بعض مَن يفترض أنهم حراس المحاسبة والرقابة والتشريع لا يلوذون بالصمت وحسب.. بل يؤيدون..
نحن نعيش لحظة إقليمية شديدة الخطورة.. والأردن يقف في قلب عاصفة من الضغوط والتحديات والاخطار.. وقد كتبت مراراً.. أن الأولوية اليوم.. يجب أن تكون حماية الوطن.. ورص الصفوف.. وتأجيل كل الخلافات أمام الخطر الأكبر..
لكن الصدمة لم تكن في حجم الخطر.. بل في حجم الغضب الذي يسكن صدور المتابعين..
غضبٌ جعل بعض الردود على كتاباتي تبدو.. وكأن أصحابها يتحدثون عن بلدٍ لا ينتمون إليه.. لا لأنهم يكرهون الأردن.. بل لأنهم موجوعون منه.. فوصل ببعضهم حد الحقد..
وحين تأملت تلك الردود جيداً.. وجدت الخيط المشترك بينها جميعاً.. لم يكن أيديولوجياً.. ولا سياسياً.. ولا فكرياً.. ولا حتى أصول ومنابت.. بل كان شيئاً واحداً فقط.. وجع الحياة اليومية..
فقرٌ يضغط الصدر.. بطالة تسحق الكرامة.. أسعار ترتفع بلا رحمة.. شباب عاجزون عن الزواج.. أسر تتفكك.. وجريمة تجد طريقها إلى مجتمع لم يكن يعرفها بهذه الصورة..
وحين تتراكم هذه الجروح.. يبدأ بعض الناس بوعي.. أو بغير وعي.. في معاقبة الوطن نفسه.. والاصطفاف مع مَن يهدده.. لأنهم فقط يريدون الانتقام من الحكومة.. وهنا يكمن الخطر الحقيقي..
كل ضغط إضافي على الناس.. لا يوسع الفجوة بينهم وبين الحكومة فقط.. بل يوسع الصدع بينهم وبين وطنهم الغالي نفسه..
وعليكم أن تعوا جيداً.. الجائع.. حين يشتد به الجوع.. لا يفكر في الشعارات الرنانة.. ولا يسمع الخطب.. ولا تعنيه كلمات الانتماء الكبيرة..
لأن الانتماء الحقيقي.. يبدأ من قدرة الإنسان على أن يعيش بكرامة في بلده..
حكومتنا.. المسؤولية هنا لا يمكن توزيعها.. ولا تعليقها على الظروف..
فمفاتيح الحل في أيديكم أنتم وحدكم.. وأنتم مَن يقرر إن كان الأردني سيزداد تعلقاً بوطنه.. أم سيشعر أن هذا الوطن يبتعد عنه يوماً بعد يوم..
فزيادة الانتماء لا تصنعها الخطب والمانشيتات البراقة.. ولا الوعود الجميلة.. ولا حتى التهديد.. بل يصنعها اقتصاد يكبر.. وفرص عمل حقيقية.. وحياة يشعر فيها المواطن أن تعبه لا يضيع ولا يسرقه أحد.. وأن فرص العمل يأخذها الاكفأ والانسب.. لا مَن يملك الواسطة.. وأن هذا الوطن يقف معه.. لا فوق صدره.. ويضع في جيبه.. لا يفرغها..
حكومتنا.. أما إذا كانت هذه المسؤولية أثقل مما تستطيعون حمله.. وإذا كنتم غير قادرين على أن توقفوا هذا التآكل الصامت في حياة الناس.. فقولوا ذلك بوضوح.. وتحلّوا بالشجاعة والوطنية التي يفرضها الموقع قبل الكرسي..
قدّموا استقالتكم.. وافسحوا الطريق لغيركم..
فالأوطان لا تُدار بالتجربة الطويلة على أعصاب الناس.. ولا يُختبر صبر الشعوب إلى ما لا نهاية..
فالأردن ليس فقيراً بالرجال.. ولم يكن يوماً كذلك.. وفيه من الكفاءات والضمائر والوطنية المتجذرة.. ما يكفي ليحمل هذه المسؤولية بحقها..
فإما أن تكونوا على قدر الأمانة التي بين أيديكم.. وإما أسألكم الله والرحم.. أن تتركوها لمن يستطيع حملها.. قبل أن يصل الناس إلى تلك اللحظة.. التي يصبح فيها الجوع أقوى من الصبر.. ويصبح الصمت أثقل من القدرة على الاحتمال..