الكراهية والبغض… آفتان تفتكان بالمجتمع
محمد مطلب المجالي
08-03-2026 11:39 AM
في زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات وتتعاظم فيه التحديات، يطفو على سطح حياتنا الاجتماعية مشهدٌ مؤلم يتمثل في تنامي مشاعر الكراهية والبغض بين الناس، حتى غدتا آفتين خطيرتين تتسللان إلى النفوس بهدوء، ثم لا تلبثان أن تعبثا بأمن المجتمع واستقراره، وتفتكا بروابطه الإنسانية التي قامت عبر السنين على المحبة والتسامح والتراحم.
لقد عُرف مجتمعنا العربي عبر تاريخه الطويل بقيمه الأصيلة التي تقوم على الشهامة والمروءة وإغاثة الملهوف وصلة الرحم. وكانت العلاقات بين الناس قائمة على الاحترام المتبادل وحسن الظن، وكان الخلاف – إن وقع – يبقى في حدوده الطبيعية دون أن يتحول إلى خصومة أو عداوة. غير أن التحولات المتسارعة التي يشهدها عالمنا، وما رافقها من ضغوط اقتصادية وتوترات سياسية واجتماعية، أوجدت بيئة يتسلل منها خطاب الكراهية، وتكبر فيها بذور البغضاء حتى تتحول إلى ظاهرة مقلقة تهدد وحدة المجتمع وتماسكه.
إن الكراهية حين تسكن القلوب لا تقف عند حدود الاختلاف في الرأي، بل تتحول إلى عداوة خفية تعمي البصيرة وتغيب الحكمة. وعندها يصبح الحوار صخباً، والنقد تجريحاً، والنصيحة اتهاماً، وتضيع الحقيقة بين الانفعالات والاتهامات المتبادلة. ومع مرور الوقت تتآكل القيم التي تحفظ للمجتمع توازنه، فيحل التنافر محل التعاون، وتذبل روح الأخوة التي كانت يوماً ما أساس قوة المجتمع واستقراره.
ولا يخفى أن منصات التواصل الحديثة قد أسهمت – في كثير من الأحيان – في تأجيج هذه الظاهرة؛ إذ تحولت لدى البعض إلى ساحات لتبادل الاتهامات وبث الشائعات والتشهير بالآخرين دون روية أو مسؤولية. وهكذا تصبح الكلمة، التي يفترض أن تكون وسيلة للتقارب والتفاهم، أداةً لبث الفرقة وزرع الأحقاد بين الناس.
إن المجتمعات القوية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات مادية أو مؤسسات راسخة، بل بقدرتها على الحفاظ على نسيجها الاجتماعي متماسكاً، وعلى ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف. فالتباين في الآراء سنة من سنن الحياة، لكنه يصبح نقمة حين يتحول إلى خصومة وعداء يزرع الشك ويقوّض الثقة بين الناس.
ومن هنا تبرز مسؤولية الجميع؛ الأسرة التي تغرس في أبنائها قيم التسامح، والمدرسة التي تربي الأجيال على الحوار واحترام الآخر، والإعلام الذي ينبغي أن يكون منبراً للحقيقة وجسراً للتقارب لا ساحة للانقسام والفتنة، والنخب الفكرية التي يقع على عاتقها توجيه البوصلة نحو الاعتدال والعقلانية.
فالكراهية والبغض لا يبنيان مجتمعاً ولا يصنعان مستقبلاً، بل يتركان وراءهما صدوعاً عميقة في جسد الأمة. أما المحبة والتسامح فهما الطريق الأقصر لحفظ المجتمع من التفكك، وبناء وطن تتآلف فيه القلوب كما تتعانق فيه الأيدي من أجل الخير والنهضة.
فالقلوب المؤمنة بطبيعتها لا تعرف طريق الكراهية، ولا تحمل في جنباتها البغضاء للناس، لأنها قلوب امتلأت بنور الإيمان وصفاء السريرة. فالمؤمن الحق يدرك أن الحياة أقصر من أن تُهدر في الخصومات، وأسمى من أن تُثقلها الأحقاد.
غير أننا في الوقت ذاته ينبغي أن لا ننخدع ببعض الشخوص الذين استقر الكره في نفوسهم، حتى غدا سلوكاً دائماً ومنهجاً في التعامل مع الآخرين، يثيرون الفتنة ويغذّون الخلاف، ويزرعون بذور الفرقة بين الناس. فالحكمة تقتضي أن نميز بين من يسعى للإصلاح ومن يقتات على إشعال النزاعات.
وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى قلوبٍ صافية تتجاوز الخلاف، وتطفئ نار الفتنة، وتعيد إلى العلاقات الإنسانية دفئها المفقود. فالمحبة قوة، والتسامح رفعة، والصفح دليل على سمو النفس ونبل المقصد.
ونسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الضغائن، وأن تسكن السكينة في نفوسنا، وأن يؤلف بين القلوب، فيعود للمجتمع تماسكه، وللإنسان إنسانيته، وللحياة معناها القائم على الرحمة والتآلف.