facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاقتصاد السياسي لحرب المئة يوم: تفكيك "المعادلة الصفرية" في المواجهة


أ.د عيسى الشلبي
05-06-2026 09:59 PM

تتحرك العلاقات الدولية في أوقات الأزمات الكبرى وفق تجاذبات حادة بين النظرية والتطبيق، ولعل الحرب المشتركة التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي تجاوزت عتبة المئة يوم، تمثل المختبر الأكثر وضوحاً لتقييم مدى فاعلية النماذج السياسية الكلاسيكية في تفسير الواقع حيث ﺗُﻌﺪّ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺒﺎﺭﻳﺎﺕ ﻣﻦ ﺇﺣﺪﻯ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳّﺎﺕ ﺍلاﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴّﺔ ﺍﻟﻤﻬﻤّﺔ ﻹﺗّﺨﺎﺫ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭﺍﺕ ﻓﻲ ﻣﻮﺍﻗﻒ ﺍﻟﻨّﺰﺍﻋﺎﺕ ﺃﻭ ﺍﻟﺼّﺮﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﺪّﻭﻟﻴّﺔ، لترشيد الإختياﺭ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﺪﺍﺋل ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻔﺮﺯﻫﺎ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻮﺍﻗﻒ ﺍﻟﺼّﺮﺍﻋﻴّﺔ، ﻭﺗُﻌﺎﻟﺞ ﻛﻞ ﺻﺮﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ سواء كان ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺴﻴﺎﺳﻲ ﺑﺸﻜﻞ عام أو الصراعات التي تتعلق بالسّلم والحرب بشكل خاص في قلب هذه المواجهة، ويبرز نموذج "المباراة الصفرية" كإطار نظري مهيمن على أدبيات التخطيط الاستراتيجي في واشنطن وتل أبيب، حيث يصاغ الخطاب السياسي والعسكري على أساس أن أي تقويض للبنية التحتية الإيرانية يمثل مكسباً صافياً ومباشراً للمحور الغربي. غير أن القراءة العميقة للمشهد بعد مئة يوم من القصف المتبادل والحصار المستمر، تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً، إذ ينهار هذا المنطق الصِفري عند إخضاعه للتحليل الاقتصادي الكمي والنوعي، لتتحول الحرب من مسعى لتحقيق نصر مطلق إلى شرك استراتيجي يقود جميع الأطراف نحو "نموذج الخسارة المشتركة"

لقد بنيت الفرضية الصفرية للحرب على تصور يرى في عزل إيران عسكرياً واقتصادياً وسيلة لتثبيت توازن قوى جديد يضمن تدفقاً آمناً للطاقة ويحمي المصالح الحيوية للحلفاء، إلا أن الأيام المئة الماضية أثبتت أن شبكة الاعتماد الاقتصادي المتبادل في عالم اليوم أعقد من أن يتم تحييدها بالآلة العسكرية. تجلى هذا التداخل في المقام الأول عبر شريان الطاقة العالمي، حيث أدى استهداف المنشآت النفطية وحالة عدم اليقين المحيطة بسلامة الملاحة في مضيق هرمز إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الخام العالمية، وهو ما تُرجم سرياً على شكل موجة تضخمية جديدة ضربت الاقتصادات الغربية التي تعاني أساساً من هشاشة هيكلية، وبذلك تحول الطموح الأمريكي في تحقيق "مكسب جيوسياسي" إلى كلفة اقتصادية مباشرة يتحملها المستهلك والناخب الغربي.وفي المقابل، لم تكن المعادلة الاقتصادية في جانبها الإيراني مطابقة لحسابات الربح والخسارة التقليدية، فرغم الحصار الجوي والبحري المشدد الذي تفرضه المنظومة الأمريكية الإسرائيلية والذي تسبب في تآكل متسارع لقيمة العملة المحلية وتفاقم الأزمات المعيشية في الداخل، إلا أن طهران تمكنت من تحويل هذه الضغوط إلى حافز لتفعيل استراتيجية "اقتصاد الحرب". اعتمدت هذه الاستراتيجية على شبكات التهريب المعقدة والأسواق الموازية، بالإضافة إلى استغلال الحاجة الدولية الملحة للإمدادات عبر رفع كلفة التأمين البحري للشحنات غير الإيرانية، مما يعني أن الطرف المستهدف بالحصار نجح في توزيع كلفته الاقتصادية على النظام الدولي بأسره، محولاً سلاح العقوبات والضربات العسكرية من أداة حسم إلى آلية استنزاف متبادل ولم تتوقف الشظايا الاقتصادية لهذه المواجهة عند حدود أطراف الصراع المباشرة، بل امتدت لتحدث تآكلاً كبيراً في بيئة الاستقرار الإقليمي لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، وهي المنطقة التي كانت تطمح إلى قيادة الطفرة الاقتصادية العالمية عبر مشاريع تنموية عملاقة. إن تحول الممرات المائية الحيوية إلى مناطق عمليات عسكرية مفتوحة أدى إلى قفزة هائلة في رسوم الشحن البحري وتكاليف التأمين ضد مخاطر الحروب، مما انعكس سلباً على سلاسل الإمداد العالمية وضاعف من كلفة السلع الأساسية، وتكشف هذه النتيجة عن قصور جوهري في نموذج المباراة الصفرية، إذ لا يمكن لطرف أن يدعي تحقيق "مكسب أمني" في وقت تتهاوى فيه أسس الاستقرار الاقتصادي الداعم لهذا الأمن..

وتأسيساً على ما تقدم، يمكن الخروج باستنتاج أكاديمي مفاده أن استمرار القوى الكبرى في إدارة أزمات الشرق الأوسط عبر المنظور الصِفري الضيق يعد مجازفة استراتيجية غير محسوبة العواقب. إن مئة يوم من الحرب الاقتصادية والعسكرية لـم تفضِ إلى إركاع الاقتصاد الإيراني بالكامل، ولم تمنح المحور الأمريكي -الإسرائيلي التفوق المطلق الذي سعى إليه، بل أنتجت واقعاً مشوهاً يعاني فيه الجميع من نزيف الموارد والفرص البديلة، وأمام هذا الانسداد الاستراتيجي، يصبح التخلي عن العقلية الصفرية والانتقال نحو مقاربة ديبلوماسية واقعية تعترف بالترابط الاقتصادي وتحقق حداً أدنى من التوازن بين مصالح الأطراف، هو المخرج الوحيد لتفادي انهيار اقتصادي شامل قد لا تقتصر آثاره على أطراف الحرب فحسب، بل تمتد لتعيد صياغة النظام الاقتصادي العالمي على أسس من الفوضى والاضطراب..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :