هل سنقبل بالكيان بدلاً من إيران؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
05-06-2026 09:56 PM
في السياسة كما في التاريخ.. لا توجد فراغات طويلة الأمد.. فعندما يتراجع مشروع.. يتقدم مشروع آخر.. وعندما يسقط طامع.. يتهيأ طامع جديد لملء المكان الذي أصبح شاغراً. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل العرب اليوم.. ليس ما إذا كانت إيران تتراجع.. أم لا.. بل ماذا سيأتي بعد هذا التراجع؟!..
منذ عقود والمنطقة تعيش بين مشروعين توسعيين كبيرين.. مشروع صهيوني لا يخفي حلمه بإسرائيل الكبرى.. ومشروع إيراني يقوم على تصدير النفوذ والثورة خارج الحدود.. ورغم الاختلافات العقائدية والسياسية بينهما.. إلا أن المتأمل في سلوك المشروعين.. يكتشف تشابهاً لافتاً في جوهر الفكرة.. فكلاهما ينطلق من سردية تاريخية ودينية.. تمنح أتباعه شعوراً بالاصطفاء والتميز.. وملاهما يسعى إلى التعجيل في ظهور ذاك المُخَلّص.. أكان المهدي.. أو المسيح المخَلّص.. وكلاهما يرى أن التمدد والنفوذ جزء من رسالته ووجوده.. وكلاهما لم يتردد في استخدام القوة والدمار والحروب.. لتحقيق أهدافه عندما سنحت له الفرصة..
لقد استطاعت إيران خلال سنوات الفوضى العربية.. أن تمد نفوذها إلى عدد من العواصم العربية.. وأن تتحول من دولة إقليمية.. إلى لاعب مؤثر في قرارات دول ومجتمعات بأكملها. غير أن السنوات الأخيرة.. حملت تغيرات عميقة.. فكان سقوط نظام الأسد ضربة استراتيجية قاسية لمشروعها الإقليمي.. وتزايدت الضغوط الدولية والشعبية عليها في أكثر من ساحة.. بينما أخذت قوى داخل العراق ولبنان تبحث عن مسارات تقلص من حجم الهيمنة الإيرانية على القرار الوطني.. وفي الوقت ذاته.. تواجه طهران أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.. إضافة إلى ضغوط دولية متواصلة على برنامجها النووي وقدراتها العسكرية..
لكن هل يعني تراجع إيران.. أن المنطقة أصبحت أكثر أمناً؟!..
هنا يكمن الخطر الحقيقي في طريقة تفكيرنا. فالتخلص من تهديد.. لا يعني بالضرورة انتهاء التهديدات.. بل قد يعني ببساطة.. انتقالنا من مرحلة إلى أخرى..
فالكيان الإسرائيلي لا يخفي بدوره أطماعه الاستراتيجية.. ولا يتردد مسؤولوه ومفكروه في الحديث عن ترتيبات إقليمية.. تمنحه موقع الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية لعقود قادمة.. وإذا كانت الحروب التقليدية قد أثبتت كلفتها الباهظة.. فإن التجربة الحديثة أثبتت أيضاً.. أن النفوذ الاقتصادي قد يكون أكثر فاعلية.. وأقل تكلفة من الاحتلال العسكري المباشر..
لقد تغير العالم كثيراً.. ولم تعد الجيوش وحدها هي التي ترسم الحدود.. وتفرض الإرادات.. فالموانئ.. والمياه.. والطاقة.. والتكنولوجيا.. والأسواق.. وسلاسل التوريد.. والذكاء الاصطناعي.. أصبحت أدوات نفوذ لا تقل تأثيراً عن الطائرات والدبابات.. ومَن يسيطر على مفاصل الاقتصاد.. يستطيع أن يفرض شروطه السياسية والأمنية.. دون أن يطلق رصاصة واحدة.. ولهذا فإن السؤال لم يعد.. هل يستطيع الكيان التوسع جغرافياً فقط.. بل هل يستطيع أن يفرض واقعاً اقتصادياً.. يجعل المنطقة تدور في فلكه.. وتخضع لمعادلاته ومصالحه؟!..
غير أن المشكلة الأعمق من كل ذلك لا تكمن في إيران.. ولا في الكيان الاسرائيلي وحدهما.. بل في الحالة العربية نفسها..
فالأمم لا تصبح فريسة للطامعين بسبب قوة الطامعين فقط.. وإنما بسبب ضعفها.. وتفرقها.. وفقدانها لمشروعها الجامع.. وحين تغيب الرؤية المشتركة.. وتتحول المصالح الضيقة.. إلى بديل عن المصالح الكبرى.. يصبح المجال مفتوحاً أمام كل مَن يملك مشروعاً أكثر وضوحاً.. وتنظيماً.. وإصراراً..
إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم.. هو أن ننشغل بالمفاضلة بين مشروعين توسعيين.. أو أن نحتفل بإضعاف أحدهما.. بينما نغفل عن صعود الآخر.. فالأمم الحية لا تبني أمنها على ضعف خصومها.. وإنما على قوتها الذاتية.. ولا تحمي أوطانها بالرهان على توازنات الآخرين.. وإنما ببناء مشروعها الخاص.. الذي يجعل الآخرين يعيدون حساباتهم ألف مرة.. قبل التفكير بالاقتراب من حدودها.. أو العبث بمصالحها..
ويبقى السؤال معلقاً أمام العرب جميعاً.. إلى متى سنبقى ننتظر أن يقرر الآخرون شكل المنطقة ومستقبلها؟!.. وإلى متى سنكتفي بردود الأفعال.. بينما يملك الآخرون المشاريع والخطط والرؤى؟!..
فالتاريخ لا يرحم المترددين.. والجغرافيا لا تحمي الضعفاء.. والأمم التي لا تكتب مستقبلها بيدها.. يكتبه الآخرون عنها..
فمتى سنشهد رجالاً يحملون مشروعنا العربي.. ويفرضون واقعاً يُرهب الآخرين حتى لمجرد التفكير من الاقتراب؟!..