facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"قانون التربية والتعليم 2026" .. بين الاستقرار المؤسسي ومتطلبات التحديث


فيصل تايه
15-03-2026 01:27 PM

تُعد القوانين التربوية في الدول الحديثة أحد أهم الأدوات التي تعكس رؤية المجتمع لمستقبله ، وفي أدبيات سياسات التعليم الحديثة، لا تُقرأ التشريعات التربوية بوصفها بيانات فلسفية مكتملة، بل باعتبارها الأطر المؤسسية الحاكمة التي تسمح للفلسفات التعليمية بأن تتحول إلى سياسات وبرامج قابلة للتطبيق ، ومن هنا ينبع الفرق بين مستويين متمايزين في صناعة السياسة التعليمية: مستوى "الرؤية الفكرية" الذي يحدد غايات التعليم وصورة الإنسان الذي تسعى المدرسة إلى بنائه، ومستوى "الحوكمة المؤسسية" التي تنظم إدارة القطاع التعليمي وتوفر البيئة القانونية القادرة على تنفيذ تلك الرؤية.

​ومن هذا المنظور، يمكن فهم مشروع "قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لعام ٢٠٢٦" بوصفه جزءاً من "البنية التشريعية" التي تهدف إلى تعزيز "الحوكمة التعليمية" وضبط العلاقة بين المؤسسات المختلفة في المنظومة التربوية، بما يسمح بإدارة التحولات المتسارعة في مجالات المعرفة والتكنولوجيا واقتصاد المستقبل ، وفي قلب هذا القانون، يظهر جلياً أن "التشريع" ليس نصاً فلسفياً بقدر ما هو أداة عملية لتنظيم الفعل التربوي وضمان استقراره واستدامته.

ان من الواضح ان أبرز ما جاء في "مشروع القانون الجديد" هو دمج القوانين السابقة الخاصة بالتربية والتعليم والتعليم العالي ضمن إطار تشريعي واحد، مع إنشاء وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية بوصفها المرجعية المؤسسية الموحدة لقطاع التعليم، خلفاً لوزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي ، اذ تهدف هذه الوزارة إلى تعزيز تكامل السياسات التعليمية وتنسيقها عبر جميع مراحل التعليم المختلفة، بما يشمل التعليم العام، التعليم العالي، والتدريب المهني ، وتركز التعديلات أيضًا على ربط مخرجات التعليم بسوق العمل، وتطوير المهارات بما يتوافق مع اقتصاد المعرفة الحديث، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحق في التعليم الأساسي المجاني كمبدأ دستوري واجتماعي راسخ. كما يعكس القانون إدراكاً أن تطوير التعليم الناجح لا يقتصر على تحديث المناهج أو البرامج، بل يعتمد قبل كل شيء على منظومة مؤسسية واضحة الصلاحيات قادرة على تنفيذ السياسات بفاعلية.

وفيما يتعلق بالتعليم العالي، يؤكد مشروع القانون على التوازن الدقيق بين استقلالية الجامعات وإشراف الدولة ، فالاستقلالية تمنح الجامعات حرية تنظيم شؤونها الأكاديمية والبحثية، وتمكينها من الابتكار وتحسين جودة التعليم والبحث العلمي، بينما يضمن إشراف الدولة تحديد السياسات العامة والمعايير الوطنية وانسجام الجامعات مع الأهداف الاستراتيجية للتنمية البشرية والاقتصادية ، يتيح هذا التوازن الجمع بين الحرية الأكاديمية والحوكمة الوطنية، بحيث يكون إشراف الدولة إطاراً لضمان المرونة والمسؤولية الوطنية معاً، دون أن يمثل تدخلاً مباشراً في العمل الأكاديمي.

كما ينص القانون على إنشاء مجلس وطني للسياسات التعليمية برئاسة رئيس الوزراء، ليكون منصة لصياغة السياسات الوطنية وضمان انسجام المؤسسات التعليمية مع الأهداف الاستراتيجية للتنمية البشرية والاقتصادية، ما يعكس رؤية شاملة لتكامل الحوكمة والتطوير المؤسسي في جميع مستويات التعليم.

لقد أظهر النقاش المجتمعي حول مشروع القانون حيوية كبيرة، وهو ما يعكس وعياً متزايداً بأهمية التعليم كمشروع حضاري لبناء الدولة الحديثة ، ومع ذلك، فقد كشف النقاش أيضاً عن خلط أحياناً بين طبيعة القوانين التربوية وفلسفات التعليم التي تستند إليها السياسات العامة ، فالقوانين لا تحتوي عادة على التفاصيل الفلسفية الدقيقة، بل تتيح بيئة مؤسسية تمكن السياسات من التحول إلى تطبيق عملي، وتضمن استقرار هذه السياسات واستمرارها عبر الزمن.

ومن هنا يمكن فهم المواد التي تتعلق بتوحيد المرجعيات المؤسسية، تعزيز كفاءة الإدارة، وتطوير الموارد البشرية ، هذه البنود لا تهدف إلى اختزال التعليم في بعد إداري، بل تعكس إدراكاً أن نجاح أي رؤية تربوية يتطلب نظاماً مؤسسياً واضح الصلاحيات وقادراً على تنفيذ السياسات بفاعلية ، ومن خلال تجارب مقارنة في إصلاح التعليم، يتبين أن بناء حوكمة تعليمية متماسكة يمثل المدخل العملي لأي تطوير مستدام، إذ يضمن وضوح الصلاحيات واستقرار الأطر التنظيمية وتعزيز كفاءة المؤسسات المسؤولة عن إدارة التعليم.

ان من الملفت ​ان القانون الجديد يؤكد على أن التشريع التربوي لا ينشأ عبر القطيعة مع الأطر السابقة، بل من خلال عملية تراكمية تسمح بالتحديث المتوازن، بحيث تستمر بعض المبادئ الأساسية مع إضافة الإصلاحات الهيكلية الجديدة ، وهذا يعكس الحاجة إلى الاستقرار المؤسسي الذي يتيح تنفيذ السياسات التعليمية على المدى الطويل دون تقلبات متسارعة ، مع القدرة على التكيف مع التحديات المستقبلية.

يجب ان نعي ​إن التعليم في جوهره ليس مجرد منظومة معرفية، بل مشروع حضاري طويل المدى يربط بين بناء الإنسان وبناء المجتمع ، لذلك، لا ينبغي قراءة القوانين التربوية بمعزل عن السياق الوطني الأوسع الذي تتشكل فيه السياسات، ولا عن التحولات العالمية التي تعيد تعريف دور المدرسة والجامعة في عصر المعرفة.

بقي ان اقول ​ان الحاجة تبدو اليوم ملحة لتوسيع نطاق الحوار التربوي من خلال الدعوة الى "مؤتمر وطني شامل للتعليم" من أجل المستقبل، يشارك فيه الأكاديميون والخبراء وصناع السياسات والمجتمع المدني، بهدف بناء رؤية مشتركة لمسارات تطوير التعليم في العقود القادمة ، فمن وجهة نظري ان هذا المؤتمر يمثل منصة لتبادل الخبرات والرؤى واستشراف التحديات المستقبلية، مع ترسيخ قناعة بأن تطوير التعليم "مسؤولية وطنية" مشتركة تتكامل فيها أدوار الدولة والمجتمع والنخب التربوية.

وفي النهاية فان التعليم ليس شأن "وزارة" أو "مؤسسة" بعينها، بل هو المشروع الوطني الأكبر الذي تتشكل من خلاله ملامح المستقبل للأجيال القادمة، إن الاستثمار في التعليم هو استثمار في الأمة نفسها، وفي قدرة وطننا على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة وحكمة، وفي تعزيز مكانة القانون الجديد كأداة فاعلة في تحويل الرؤى التعليمية إلى واقع ملموس.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :