القدس… بين النداء والرجاء
نصر عصفور
16-03-2026 12:12 PM
لقد عبّر سمو الأمير الحسن بن طلال ، في حديثه حول منع الصلاة في خلال شهر رمضان، عن موقف يلامس وجدان كل من يؤمن بقدسية هذه المدينة وروحانيتها. فالأقصى ليس مجرد مكانٍ للعبادة، بل هو رمز ديني وتاريخي وإنساني يجتمع حوله ملايين المؤمنين في العالم.
إن ما أشار إليه سموه من خطورة منع الصلاة في هذا المكان المبارك يذكّرنا بحقيقة أعمق، وهي أن لم تكن يومًا قضية مكان فحسب، بل قضية إيمان وتاريخ ورسالة روحية مشتركة بين أتباع الديانات السماوية.
فالقدس تحتضن في ثناياها مقدسات المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وهي من أقدس بقاع الأرض التي اجتمع فيها تاريخ الأنبياء والرسالات. ومن هنا فإن الحفاظ على روحها الدينية والإنسانية ليس مسؤولية طرف واحد، بل مسؤولية ضمير إنساني عالمي.
وفي خضم هذه التحديات، يبقى الإيمان راسخًا بأن للبيت ربًا يحميه، وأن الأماكن المقدسة التي باركها الله عبر التاريخ ستبقى محفوظة بعنايته، مهما اشتدت الأزمات وتعاقبت الظروف. وكأن صوت الفن العربي الأصيل، ممثلًا بصوت فيروز ، قد لخّص هذا الشعور عندما أنشدت في أغنيتها الخالدة :
“لأجلكِ يا مدينةَ الصلاة أُصلّي…”
فلم تكن تلك الكلمات مجرد أغنية، بل كانت صلاةً تغنّيها القلوب قبل الحناجر، وتعبيرًا عن محبة مدينةٍ سكنت ضمير الأمة.
لكن الحقيقة المؤلمة التي لا يمكن تجاهلها، هي أن ما تمر به الأمة العربية من تشرذم وتباعد قد أضعف قدرتها على حماية قضاياها العادلة والدفاع عنها بالصوت الواحد والموقف الموحد. فالقدس، بما تمثله من مكانة روحية، تحتاج إلى وحدة الكلمة قبل أي شيء آخر.
لقد جاءت الرسالات السماوية جميعها لتدعو إلى العدل والرحمة وصون كرامة الإنسان. ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ إِلَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾،
في إشارة واضحة إلى مكانته المباركة.
كما تدعو التعاليم المسيحية إلى السلام والرحمة، حيث جاء في الإنجيل:
“طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون.”
إن القدس كانت عبر التاريخ مدينة للروح قبل أن تكون ساحة للصراع، وستبقى كذلك ما بقي في العالم من يؤمن بأن الإيمان الحقيقي يقود إلى السلام لا إلى الحرمان من العبادة.
ويبقى الأمل أن يأتي يوم تعود فيه هذه المدينة إلى رسالتها الأولى: مدينة مفتوحة للصلاة، وملتقى للسلام بين أبناء الديانات كافة؛ مدينةً تستعيد معناها الذي تغنّت به فيروز يومًا عندما وصفتها بأنها “زهرة المدائن”، المدينة التي مهما اشتدت عليها العواصف، تبقى في وجدان المؤمنين رمزًا للصلاة والرجاء والسلام.