الموت بالتمنّي والموت بالفعل
أ.د سلطان المعاني
16-03-2026 12:25 PM
يعيش العالم العربي اليوم بين صورتين من الخسارة، صورةٍ تسقط فيها الأجساد تحت النار المباشرة، فتُهدم البيوت فوق ساكنيها، وتُقطع الطرق إلى المستشفيات، وتضيق مساحة الخبز والماء والدواء حتى يغدو البقاء ذاته معركة يومية، وصورةٍ أخرى أكثر هدوءًا في ظاهرها، أشد قسوة في جوهرها، تتمثل في شعوب تراقب المشهد من بعيد، تحدق في الخرائط المشتعلة، تتابع نشرات الأخبار، وتتبادل التعليقات، كما تستنزف أعصابها في الانتظار، ثم تعود إلى حياتها محمّلة بإحساس ثقيل بأن المصير العام يُدار خارج قدرتها، وأن ما يقترب من الإقليم اليوم قد يصل إليها غدًا، من غير أن تمتلك الوسيلة التي تدفعه أو حتى اللغة السياسية التي تسميه بوضوح.
تكشف هذه الحال أن الموت لا يأتي دائمًا على هيئة قذيفة أو طائرة أو مجزرة أو حصار، إذ يأتي أحيانًا على هيئة تمني طويل، على هيئة أمة تؤجل بناء مناعتها وتؤخر مراجعة أوهامها وتعلّق أمنها على نيات الآخرين، ثم تكتشف في كل منعطف أن القوى الكبرى لا ترى المنطقة إلا من زاوية المصالح، وأن القوى الإقليمية تنظر إليها من زاوية الفراغ الممكن ملؤه، وأن الشعوب التي تبقى في موقع المتفرج لا تنجو من النار حقًا لأنها تتحول مع الوقت إلى أرض محتملة للضغط وإلى سوق مفتوحة للخوف، أو إلى مجال مُشرع يدخل منه التلاعب السياسي والاقتصادي والثقافي.
ولا ريب فإن الحروب بالإنابة تكشف عن وجهٍ عربيٍ موجعٍ، لأن أكثر ما ينهك هذه المنطقة أن المتخاصمين الكبار يخوضون صراعاتهم بأعصاب باردة نسبيًا، عبر الوكلاء والتمويل والتحريض، وإدارة المسافات، في حين تدفع المجتمعات المحلية الفاتورة كاملة من استقرارها وقوتها ونسيجها الداخلي، فَتَجِدُ المدنُ نفسها واقفة على حافة انقسام طويل، والعائلاتُ موزعة بين الخوف على الأبناء والقلق على العمل، والحذر من الغد الذي لا يملكون صنعه، كما تجد الدولةُ نفسها مضطرةً إلى إنفاق طاقتها في منع الانفجار، خلاف توجيهها إلى التنمية والإنتاج وصناعة المستقبل.
وتتجلى المأساة العربية في أن فريقًا يملك القدرة العسكرية الواسعة، ويُحسن توظيفها في تثبيت النفوذ، وفريقًا آخر يملك الحماسة والخطابة والقدرة على إثارة الشارع، فيما تبقى الشعوب في المنتصف، تحمل عبء المرحلة من لقمة عيشها وأعصابها، ومن استقرار بيوتها ومستقبل أطفالها، فتبدو المعركة كأنها شأن الكبار، مع أن الخسائر تنزل أولًا على رؤوس الصغار، وعلى تفاصيل الحياة اليومية والأسعار والتعليم، والعلاج، وصولاً إلى الأمل نفسه حين يضعف ويبهت ويصير أمنيةً بعيدة المنال.
تحتاج الحال العربية هنا إلى قدر كبير من الصراحة، فالتمني السياسي لا يحمي الأوطان، والتعويل على الآخرين لا يصنع أمنًا مستدامًا، فانتظار الخلاص من الخارج يطيل عمر الضعف، ويمنح الخصوم وقتًا أوسع لترتيب المنطقة بما يناسبهم، وتصبح الأمة مادة قابلة للتشكيل أكثر من كونها طرفًا قادرًا على الفعل. فمن هذا الاعتراف تبدأ القيمة الحقيقية لأي مراجعة جادة من سؤال ألا وهو: ماذا أعددنا كي لا نبقى ساحةً مفتوحة لحروب الآخرين، وأوراق مستباحة في مساوماتهم، ونغدو نحن مجرد جمهور يتابع سقوط المدن ثم يكتفي بالحزن؟
يفتح هذا السؤال بابًا واسعًا على تصور القوة في زمننا الراهن، ذلك أن القوة التي ترسم ملامح الحضور الفاعل في العالم المعاصر تكتسب مادتها الحقيقية من اقتصاد يمتلك قدرة الاحتمال ساعة الاختبار، ومن مؤسسات راسخة تعرف موقعها من الواجب العام وتنهض به في انتظام ومسؤولية، وتعليم يخرّج عقلًا يقظًا قادرًا على الفحص والتمييز واستيعاب التعقيد، وإعلام يصون الوعي الجمعي من العبث ويمنحه مناعة فكرية تحرسه من التزييف والإرباك، ثم من مجتمع متماسك لا تتبعثر عناصره مع أول رجفة، ومن دولة تمسك بخيوط التوازن الدقيق بين الحكمة التي ترى أبعد من اللحظة، والحزم الذي يحفظ هيبة القرار، وبين حماية الداخل بكل ما يتصل بحياة الناس وكرامتهم واستقرارهم، وقراءة الخارج بعيون تعرف المصالح وممرات الخطر وتحولات الإقليم، وبين صيانة الإنسان في مقامه المدني والأخلاقي، وصون السيادة في معناها السياسي والاستراتيجي، وعند هذه العتبة تحديدًا يغادر الحديث عن الأمن دائرة الشعار العابر ويدخل في نسيج الحياة العامة مشروعًا يوميًا تُبنى عليه السياسات، وتُقاس به كفاءة الدولة، وتطمئن إليه المجتمعات حين تشعر أن بقاءها لم يعد رهين المصادفة أو حسن النيات، وإنما صار ثمرة إعداد طويل وإرادة تعرف ما تريد.
ويوجع هذا المشهد أكثر حين تنظر الشعوب العربية إلى بعضها بعضًا من وراء الشاشات، شعبٌ يحترق وآخر يموت بالتمنّي، فيما شعبٌ يخشى انتقال العدوى إليه، وآخر يظن أن المسافة الجغرافية كافية للنجاة، مع أن التجارب المتراكمة في هذه المنطقة تقول إن الحريق حين يطول يبحث دائمًا عن هواء جديد، وثغرة جديدة، ومجال جديد للاتساع. لهذا تبدو الحكمة العربية المطلوبة اليوم متصلة بوعيٍ جديد يرفض دور المتفرج، ويُحسن قراءة الخرائط، ويعيد الاعتبار لفكرة المناعة الوطنية وللعقل الاستراتيجي، وللتضامن العملي الذي يُقاس بالفعل الملموس، لا بحرارة الكلمات وحدها.
ينتهي الأمر إلى حقيقة ثقيلة، إنّ الموت يفتك بالجسد مرة واحدة، فالموت بالتمنّي يفتك بالروح كل يوم، يجرّد الأمة من ثقتها بنفسها، يربّي أبناءها على انتظار المبادرات الخارجية، ويضعف قدرتها على المبادرة، حيث يرسخ في وجدانها أن النجاة منحة يمنحها الأقوياء ساعة يشاؤون. فهنا يكمن الخطر الأعمق، وتبدأ فرصة الخروج، حين تدرك المجتمعات العربية أن صون الحياة لا يتحقق بالرجاء الطويل، وإنما ببناء قدرة تحرس البيت من الداخل، وتمنح القرار استقلاله، وترد إلى الإنسان العربي حقه في أن يكون شريكًا في صناعة مصيره، لا متفرجاً على ما يُصنع له!