الأردن .. سردية وطنية تتجاوز الجغرافيا لترسخ هوية الدولة الرسالية
الدكتور عزمي حجرات
16-03-2026 12:31 PM
تعد السرديات الوطنية إحدى الأدوات المركزية التي تعتمدها الدول في بناء هويتها السياسية وتعزيز تماسكها الاجتماعي. وفي خضم التحولات الإقليمية المعقدة، تبرز السردية الوطنية الأردنية كنموذج فريد تشكّل منذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 وصولاً إلى قيام المملكة. وفي بحث علمي معمق للدكتور عزمي حجرات، تم تسليط الضوء على المرتكزات السياسية والتاريخية لهذه السردية، التي لم تُبنَ على مصالح نفعية عابرة، بل استندت إلى رؤية أوسع تحمل أبعاداً قومية وإسلامية وإنسانية تعزز دور الأردن كعنصر توازن واستقرار في المنطقة.
تنطلق السردية الأردنية من جذور تاريخية وشرعية دينية تستند إلى الانتساب الهاشمي الذي يعود إلى نسل النبي محمد ﷺ. هذا الإرث الديني والتاريخي منح القيادة الهاشمية مكانة مميزة في الوعي الإسلامي، وشكّل أحد المرتكزات الرمزية والسياسية لدورها الفاعل، لا سيما في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
تحتل الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس مكانة مركزية وبُعداً دينياً وسياسياً مهماً في الخطاب الوطني الأردني. وقد ترسخت هذه الرعاية تاريخياً عندما بايع أهل فلسطين الشريف الحسين بن علي وصياً عليها عام 1924. ولم تقتصر هذه الوصاية على البعد الديني فحسب، بل اكتسبت طابعاً مؤسسياً وقانونياً ودولياً عبر مسار من الاتفاقيات الرسمية الموثقة.
ويبرز هذا الاعتراف الدولي جلياً في معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية (معاهدة وادي عربة) عام 1994، والتي تضمنت اعترافاً رسمياً واضحاً بالدور التاريخي الخاص الذي يضطلع به الأردن في رعاية وحماية المقدسات الإسلامية في القدس، ليتعزز هذا المسار القانوني لاحقاً بتوقيع "اتفاقية الوصاية" التاريخية عام 2013 بين جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس الفلسطيني. وتتجسد هذه الرعاية العملية عبر سلسلة متواصلة من مشاريع "الإعمار الهاشمي" المستمرة حتى اليوم، بهدف الحفاظ على المعالم التاريخية وحماية هوية المدينة المقدسة من أي محاولات للتهويد أو التغيير.
يرتبط مفهوم الدولة في الأردن بـالرسالة الحضارية، حيث تأسست المملكة على مبادئ الثورة العربية الكبرى التي انطلقت عام 1916 بهدف التحرير والنهضة والوحدة. ويقدم الأردن نفسه بوصفه دولة تسعى لخدمة قضايا الأمة الإسلامية والدفاع عن قيم الإسلام السمحة القائمة على التسامح والاعتدال والوسطية. وقد مكّنت هذه المنظومة من القيم السياسية والاجتماعية الدولة الأردنية من تحقيق الاستقرار والنمو رغم الحروب والتحديات الإقليمية العاصفة.
في مواجهة الأزمات والتنافس الإقليمي، يواجه الأردن محاولات للنيل من دوره عبر ما يُعرف بـ "سرديات التشكيك"، وهي أدوات خطابية تسعى إلى فصل الدولة عن رسالتها وتصوير الأردن ككيان جغرافي محدود التأثير، أو مجرد ممر جغرافي للأحداث. ولمواجهة هذه الضغوط، تتبنى الدولة الأردنية استراتيجية المنعة الوطنية التي ترتكز على أبعاد متشابكة تشمل المنعة الاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، والسياسية. هذه المنعة تعني قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية والتعامل مع الضغوط دون المساس باستقرارها الجوهري وهويتها الاستراتيجية.
تطرح السردية الأردنية في بناء استراتيجيتها تصوراً يقوم على التلاحم العضوي بين الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية الاستقرار الداخلي من جهة، وبين الالتزام العروبي ودعم حقوق الشعب الفلسطيني من جهة أخرى. هذا التلاحم يتجلى سياسياً في الدعم الدبلوماسي لحل الدولتين، ودينياً عبر الوصاية الهاشمية على المقدسات، ومجتمعياً من خلال الروابط الإنسانية العميقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني.
يُظهر لنا بوضوح أن السردية الوطنية الأردنية ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي تجسيد حي لتاريخ طويل من الثبات على المبادئ. إنها سردية تجمع بين شرعية القيادة الهاشمية، والالتزام الأخلاقي تجاه القضية الفلسطينية والقدس، والمنعة في وجه التحديات، لتؤكد أن الأردن سيظل "دولة رسالية" قادرة على التكيف وحماية مقدراتها ومواقفها الراسخة بقوة وحكمة.