الشرق الأوسط .. والسقوط في فخ "الانفجار الكبير"
فيصل تايه
16-03-2026 01:55 PM
يبدو اننا نشهد لحظة "انتحار استراتيجي" مع ما نعيشه من احداث خطيرة تجر المنطقة برمتها نحو الهاوية ، فما يحدث ليس "منعطفاً" عادياً، بل هو زلزال وجودي واصطدام مروع بين مشاريع نفوذ استباحت الجغرافيا، وحولت سماء الشرق الأوسط وبره وبحره إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات "الأفيال الكبرى" ، فمع دخول المواجهة طوراً غير مسبوق من القصف الصاروخي العنيف والتهديدات المباشرة للممرات المائية، بات لزاماً علينا أن نعلنها بكل حزم : هذه الحرب ليست حربنا، لكننا نحن من يراد لنا أن نكون "حطب" نيرانها.
وفي قراءة أوسع للمشهد، فإن طبيعة التصعيد الذي تشهده المنطقة لم يعد يقتصر على ساحات النفوذ غير المباشر، بل أخذ يتجه تدريجياً نحو نمط من المواجهة الأكثر انكشافاً وخطورة، حيث تتزايد المؤشرات على استخدام تقنيات عسكرية متقدمة تشمل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة الهجومية وأنماطاً متطورة من الحرب السيبرانية، هذا التحول يعكس انتقال الصراع من مرحلة "الاحتواء غير المباشر" إلى مرحلة "إدارة التصعيد"، وهي مرحلة غالباً ما تكون الأكثر خطورة في النزاعات الدولية لأنها ترفع احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي بين الأطراف المتصارعة.
لقد تجاوز الصراع بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي والطرف الإيراني في الأيام الأخيرة كل "الخطوط الحمراء" التقليدية ، ما نراه من استهداف للمنشآت الحيوية وقرقعة السلاح التي تصم الآذان، ليس سوى "عبث جيوسياسي" يستخدم أحدث تكنولوجيا القتل ، من مسيرات انقضاضية وحروب سيبرانية ، ليضرب قلب الاستقرار العالمي ، فالمأساة الحقيقية تكمن في أن الدول العربية، التي تكافح من أجل البناء والتنمية، تجد نفسها اليوم رهينة لمقامرة كبرى تستهدف خنق الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب، ضاربةً عرض الحائط بأمن شعوب لا ناقة لها في هذا الصراع ولا جمل.
ولعل خطورة هذه النقطة تتجلى في الأهمية الحيوية لهذه الممرات البحرية، إذ يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، فيما يمثل باب المندب شرياناً أساسياً يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي ويُعد أحد أهم المسارات التجارية التي تمر عبرها التجارة العالمية نحو قناة السويس والبحر المتوسط ، وأي اضطراب طويل الأمد في هذه الممرات لا يهدد فقط اقتصاديات المنطقة، بل ينعكس مباشرة على استقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
إن انعكاسات الاحداث على الدول العربية وتطوراتها المتسارعة انتقلت من مرحلة "التحذير" إلى مرحلة "الارتطام" ، فخلف غبار الانفجارات، تطل كارثة معيشية لا ترحم ، تضخم جامح ينهك جيب المواطن العربي، وارتباك في سلاسل التوريد يهدد الأمن الغذائي والدوائي ، اذ إن القوى المتصارعة تستخدم جغرافيتنا "كصندوق بريد" لرسائل الدم، بينما تظل عواصمنا هي من يواجه "شظايا" هذا الانفجار، وهي من يطلب منها تحمل كلفة النزوح والدمار والانهيار الاقتصادي.
وتؤكد تجارب الأزمات الدولية السابقة أن أي اضطراب كبير في إمدادات الطاقة أو في خطوط التجارة البحرية ينعكس سريعاً على الاقتصادات المستوردة للطاقة في المنطقة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة كلفة النقل والإنتاج والغذاء، وهو ما يضاعف الضغوط التضخمية على المجتمعات العربية التي تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية مركبة، كما أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية قد ينعكس على توفر بعض السلع الأساسية، وهو ما يجعل المجتمعات الأكثر هشاشة هي الأكثر عرضة لدفع ثمن الصراعات الكبرى.
وسط هذا الجنون، يقف الأردن صامداً كحائط صد استراتيجي، يرفض منطق "الوكالة" في الحروب أو الانجرار خلف مغامرات غير محسوبة ، اذ ان الموقف الأردني اليوم هو "دبلوماسية السيادة الصلبة" التي ترفض أن يكون الأردن أو العمق العربي مسرحاً لتصفية الحسابات ، فنحن اليوم ، بحكم موقع الاردن الجيوسياسي وتاريخه في إطفاء الحرائق، يقود جهوداً مضنية لتبريد الرؤوس الحامية، محذرة من أن شرارة هذه الحرب الشاملة التي لم تعرف حدوداً ولن تميز بين عدو وصديق.
ويكتسب هذا الموقف أهمية مضاعفة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الموقع الجيوسياسي الحساس للأردن، الذي يقع في قلب منطقة تعج بالأزمات الممتدة من العراق إلى سوريا وفلسطين، وهو ما يجعل استقرار المملكة جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الإقليمي الأوسع ، وعلى مدار عقود، حافظت السياسة الأردنية على نهج يقوم على التوازن الدبلوماسي والسعي إلى احتواء الأزمات الإقليمية، وهو نهج يعكس إدراكاً عميقاً لخطورة انزلاق المنطقة نحو مواجهات مفتوحة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها.
أما القوى الدولية، فهي لا ترى في دماء منطقتنا سوى "أرقام" في بورصة النفوذ العالمي ، فبينما تستثمر أقطاب دولية في استنزاف الخصوم فوق أراضينا، تكتفي قوى أخرى بالقلق السلبي، بينما تظل شعوبنا هي الضحية الأولى لهذا "النظام العالمي الجديد" الذي يُكتب بالبارود فوق رمالنا.
ويبدو أن المشهد الدولي الراهن يعكس تحولات أعمق في طبيعة النظام العالمي، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى على مناطق النفوذ الاستراتيجية، وتتحول بعض الأقاليم المضطربة إلى ساحات اختبار لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، غالباً ما تصبح المناطق الهشة جيوسياسياً أكثر عرضة لأن تتحول إلى مسارح للصراعات غير المباشرة بين القوى الكبرى.
ختاماً، إن الحقيقة التي يجب أن تدوّي في الآفاق ، ان الشرق الأوسط لم يعد يحتمل أن يكون وقوداً لصدام الإمبراطوريات ، وإذا ظن المراهنون أنهم سيرسمون خرائط جديدة بدمائنا، فإن التاريخ يذكرهم بأن هذه الأرض كانت دوماً "مقبرة للأوهام" ، فالخيار اليوم واضح: إما لغة العقل واحترام سيادة الدول، أو الاستعداد لرماد "الانفجار الكبير" الذي لن ينجو منه أحد ، فالحرب ليست حربنا، والاستقرار هو حقنا الذي لن نفرط فيه.
وفي هذه اللحظة المفصلية، تبرز الحاجة إلى مقاربة إقليمية أكثر وعياً تقوم على تغليب منطق الدبلوماسية الجماعية ومنع انزلاق المنطقة إلى صراع واسع قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لعقود طويلة. فالشرق الأوسط، الذي أنهكته الحروب والصراعات، يحتاج اليوم إلى مشروع استقرار حقيقي يحمي شعوبه ويمنع تحويل جغرافيته مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.