بين يدي الحديث عن كسر مبدأ الاستحقاق الذي بات سلوكا عاما لا يثير الاستهجان، لاطراده وانتظام حدوثه في كل شأن من شؤون حياتنا حتى صار متوقعا من إداراتنا المختلفة ذلك السلوك، وصار الكثيرون يتعايشون معه بروح رياضية لا قبولا به، بل انطلاقا من إحساس مطلق باليأس من إمكانية تعديل هذا السلوك وذلك النهج المختل الذي يشكل خطراً على مستقبل المؤسسات عامة؛ أقول ذلك لأنه عندما تختل قواعد الإدارة العادلة تصبح الموارد العامة عرضة للنهب المنظم أو المقنّع، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل للمحاسبة دور حقيقي في مواجهة هذه الظاهرة؟ الحقيقة التي لا مفر منها أن المحاسبة استحالت إلى تقارير مطولة، وضجيج وعجيج دون أثر يذكر.
والحقيقة أيضا أن الفساد لم يعد نوعًا واحدًا فحسب؛ بل يمكن التمييز بين فساد مقونن ومشرعن لا تصل إليه يد الحساب؛ لأنه محصن بالتشريعات، وبين فساد غير محصن لا تحميه القوانين ولكن يحميه أصحاب النفوذ والسلطة من مواقع مختلفة، حتى بتنا نشهد في هذه الأيام ألوانًا كثيرة من هذا النوع الأخير، وغدا الحديث عنه يتناقل على رؤوس الأشهاد دون حاجة إلى ضرب الأمثلة.
وتتعاظم أدوات إسناد الفساد وإعادة تأهيله كلما ظهرت محاولة لتقويضه؛ إذ تتلاحم كثير من رموزه من مواقع مختلفة؛ من الإعلام، أو من غرف التشريع، أو ممن سكنوا الدوار الرابع ويحلمون بالعودة إليه مرة أخرى عبر الأبناء والبنات والأصهار والمحاسيب، أو من المتحمسين الأوغاد الذين يطمحون بالوصول إليه من مواقع التأثير والتحكم والسيطرة، يتنادون لنصرة بعضهم بعضا على الباطل رغم أنه لا يجمع بينهم جامع من قرابة أو حزب أو جهة أو فئة سوى جامع التربح من استمرار الفساد.
كل هؤلاء وأولئك من أكلة قصاع السحت يسند بعضهم بعضًا لإيقاف عقارب الساعة، بينما يجري في المقابل تقويض محاولات الإصلاح والتعافي من خلال استبعاد أصحاب الحقوق، الذين يظنون أن القوانين والأنظمة والتشريعات خطوط مستقيمة كخطوط الضوء لا تلتف ولا تنكسر ولا تتعامى عن الاستحقاقات.
وفي ظل هذا الواقع يبرز السؤال المحيّر: هل صار دور سلطاتنا الرقابية محصورًا في رصد الملاحظات وإعداد التقارير وحسب؟ وماذا بعد ذلك؟ وما معنى أن يطالعنا عطوفة مدير عام هيئة النزاهة ومكافحة الفساد بتصريح مفاده أنه لا وجود لقضايا فساد كبيرة في الأردن؟ ومتى تكون قضايا الفساد كبيرة حتى ندق جرس الإنذار؟
ألا يكفي خرق أسس حق الحصول على الرزق والعمل المناسب من خلال مصادرة التعيينات في الوزارات والمؤسسات الحكومية على قلتها لصالح عصبة الرجل الواحد، أو المرأة الحوت لصالح الأصهار والمحاسيب... أولئك الذين أقسموا على القرآن الكريم والإنجيل المقدس أن يكونوا مخلصين لله والوطن والملك وخدمة الأردنيين؟ أهكذا يكون الإخلاص للوطن والملك؟! أليس الحنث بالقسم سببًا كافيًا للمحاسبة؟ لا سيما أن دولة مثل الولايات المتحدة تحاكم مسؤوليها على جناية (Felony) بعقوبة قد تصل إلى السجن مدة خمس سنوات، إضافة إلى غرامات باهظة.
كيف يمكن لنا أن نترسم خطى العالم الديمقراطي شكلاً، بينما نخالف تقاليده الإيجابية عمليًا، فنحوّل القوانين إلى أوراق مزركشة نلف بها الخلع والهدايا التي يغدقها المقاولون الكبار على المناولين الذين يرتبطون جميعًا بسلسلة موردين فولاذية يصعب اختراقها ؟
إنه الاستقواء على القانون، والاجتراء على الحقوق، والتمادي في سلب الحقوق المدنية، الأمر الذي يقوض فكرة العدالة في ضمير المجتمع ووجدانه؛ تلك العدالة التي نتغنى بها حتى صارت (علكًا )نتشدق به، نمتص حلاوته ثم نبصقه بعد ذلك، ونردد أغنية حبيب رحمه الله: (هذي بلدنا وما نخون عهودها، ما نخون عهودها، ونجود لكن جودنا من جودها، جودنا من جودها)، ويظل الأمل معقودا بواسط البيت، وعموده السامق، أن يظل البيت مشرع الأبواب كما هو العهد، ليفيء الناس إليه كلما اشتد بهم الهجير، وحاقت بهم سلاسل الموردين وأغلالهم ولوحوا بالسعير.