لماذا قدّم الحزب الديمقراطي الاجتماعي ورقة موقف مختلفة حول تعديلات الضمان؟
د. أحمد فايز العجارمة
16-03-2026 06:26 PM
في اللحظات المفصلية من حياة الدول، لا يكون النقاش حول السياسات العامة مجرد اختلاف في التفاصيل التقنية، بل يتحول إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي نفسه: كيف تتوزع الأعباء داخل المجتمع؟ من يحمي الفئات الأضعف؟ وكيف تتحقق العدالة بين الأجيال؟
اليوم يقف الأردن أمام واحدة من هذه اللحظات مع النقاش الوطني الدائر حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي. وفي خضم هذا النقاش، قدّم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني ورقة موقف شاملة انطلقت من مبدأ بسيط لكنه جوهري: الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون مالياً فقط، بل يجب أن يكون اجتماعياً أيضاً.
فالضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق تقاعدي، وإنما أحد أهم تجليات الدولة الحديثة بوصفها دولة تضامن وعدالة.
ذلك أن أنظمة الضمان الاجتماعي في العالم لم تنشأ تاريخياً بوصفها منحة من الحكومات، بل جاءت نتيجة نضالات اجتماعية طويلة خاضتها الطبقات العاملة والنقابات من أجل حماية الإنسان من تقلبات السوق ومخاطر العمل والشيخوخة.
فمن ألمانيا في القرن التاسع عشر إلى تقرير بيفرج في بريطانيا، ومن سياسات الصفقة الجديدة في الولايات المتحدة إلى منظومة منظمة العمل الدولية، تبلورت فكرة مركزية في الفكر السياسي الحديث مفادها أن السوق وحده لا يستطيع تحقيق العدالة الاجتماعية.
ومن هنا نشأت فلسفة الضمان الاجتماعي بوصفها أحد الأعمدة الأساسية للديمقراطية الاجتماعية التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين اقتصاد منتج ونظام حماية اجتماعية يحفظ كرامة الإنسان !
انطلقت ورقة الحزب من مبدأ فكري واضح: لا يمكن إصلاح أي نظام دون الاعتراف أولاً بحقيقة التحديات التي يواجهها. وقد أظهرت الدراسة الأكتوارية الأخيرة أن الضمان الاجتماعي في الأردن يواجه عدداً من التحديات البنيوية، من أبرزها اقتراب نقطة التعادل المالي خلال العقد القادم، واتساع الفجوة بين الاشتراكات والمنافع، وارتفاع نسبة التقاعد المبكر، إضافة إلى تراكم ما يعرف بالدين التقاعدي الضمني.
هذه المعطيات ليست مجرد أرقام تقنية، بل مؤشرات على اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة نتيجة سياسات تأجيل الحلول وترحيل المشكلات إلى المستقبل.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم: هل نحتاج إلى إصلاح؟
بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن إنجاز إصلاح عادل ومستدام؟
في مثل هذه القضايا الحساسة تظهر عادة مقاربتان متعارضتان. مقاربة شعبوية ترفض أي إصلاح خوفاً من كلفته السياسية، ومقاربة تكنوقراطية بحتة تتعامل مع النظام باعتباره مسألة حسابية مجردة دون الالتفات إلى أبعاده الاجتماعية.
ورقة الحزب حاولت تقديم مقاربة ثالثة تقوم على الإصلاح الواقعي المرتكز إلى العدالة الاجتماعية. إصلاح يحافظ على الاستدامة المالية للنظام ويضمن في الوقت نفسه عدم تحميل الفئات الأضعف كلفة الاختلالات المتراكمة.
وهذا انطلاقا من منظور فلسفي يتبناه الحزب ، يتمثل باعتبار الضمان الاجتماعي اختباراً حقيقياً لفكرة العدالة الإجتماعية التي هي حجر الأساس في الفكر الديمقراطيالاجتماعي.
فالنظام التقاعدي يقوم على عقد اجتماعي غير مكتوب بين أجيال متعاقبة: جيل يعمل اليوم ويساهم في تمويل تقاعد الجيل السابق، على أمل أن يقوم الجيل اللاحق بالدور نفسه في المستقبل.
لكن عندما تتسع الفجوة بين ما يُدفع وما يُستحق، يتراكم دين غير مرئي ينتقل تدريجياً إلى الأجيال القادمة. ولهذا شددت ورقة الحزب على ضرورة معالجة الدين التقاعدي الضمني قبل أن يتحول إلى أزمة مالية واجتماعية حقيقية.
ولأن الورقة لم تكتف بالتشخيص بل قدمت جملة من الأفكار والحلول للمشكلة ومن الأفكار الأساسية التي طرحتها الورقة أن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على تقليص المنافع أو رفع سن التقاعد، بل يجب أن يشمل أيضاً توسيع قاعدة المشتركين في النظام.
فجزء من المشكلة لا يتعلق فقط بكلفة النظام، بل بضيق قاعدة المساهمين فيه.
ولهذا دعت الورقة إلى إدماج العاملين في الاقتصاد غير المنظم، وشمول أنماط العمل الجديدة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، وتصميم أنظمة اشتراك مرنة للعاملين لحسابهم الخاص، وربط سياسات الضمان بسياسات النمو الاقتصادي.
بهذه المقاربة يمكن أن يتحول الضمان الاجتماعي من نظام دفاعي يقتصر على إدارة المخاطر، إلى أداة تنموية تعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع.
ولأن نجاح أي إصلاح في هذا المجال لا يعتمد فقط على دقة الأرقام أو سلامة الحسابات الاكتوارية، بل يعتمد بدرجة كبيرة على ثقة المجتمع بالمؤسسات.
فعندما يشعر المواطن بأن النظام عادل وشفاف، يصبح أكثر استعداداً لتقبّل الإصلاحات الضرورية. أما حين تتآكل الثقة، فإن حتى السياسات الأكثر عقلانية قد تتحول إلى مصدر توتر اجتماعي.
ولهذا أكدت الورقة على أهمية الشفافية الكاملة في عرض الدراسات الاكتوارية، وتوضيح كلفة كل خيار إصلاحي أمام الرأي العام.
وفي النهاية لا يمكن النظر إلى الضمان الاجتماعي باعتباره ملفاً مالياً فحسب. إنه أحد الأعمدة الأساسية للاستقرار الاجتماعي والسياسي في الدولة الحديثة.
فالدول لا تستقر فقط بالمؤسسات والقوانين، وإنما أيضاً بالشعور الجمعي بالعدالة والإنصاف داخل المجتمع.
ومن هنا فإن إصلاح الضمان الاجتماعي ينبغي أن يُفهم باعتباره مشروعاً وطنياً يهدف إلى حماية المستقبل، وليس مجرد تعديل تقني في تشريع قائم. وورقة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني في هذا السياق لا تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، لكنها تسعى إلى تقديم مساهمة فكرية وسياسية جادة في النقاش الوطني حول مستقبل الضمان الاجتماعي.
فالضمان الاجتماعي في النهاية ليس ملكاً لحكومة أو حزب، بل هو ملك للأجيال الأردنية المتعاقبة.