نحو "منظومة نقل آمنة" لطلبة المدارس الحكومية
فيصل تايه
17-03-2026 11:34 AM
لم يعد مقبولاً، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف، أن يتحول ايصال أبنائنا إلى مدارسهم كل صباح إلى رحلة محفوفة بالخطر، وكأنهم يدخلون مغامرة مجهولة النتائج , فما يجري اليوم في ملف النقل المدرسي هو فشل صريح ومباشر في حماية أبسط حقوق الطلبة: أن يصلوا إلى مدارسهم سالمين.
الحادثة الصادمة التي وقعت بالأمس، عندما أقدم أحد السائقين على إلقاء طالبة من الحافلة، ثم برّر فعلته بالادعاء أنها "ابنته"، تكشف مستوى خطيراً من الاستهتار لا يمكن السكوت عنه ، وحتى لو كانت ابنته فعلاً، فهل هذا يبرر تعريضها للخطر؟ إن هذا التبرير ليس عذراً، بل هو اعتراف صريح بغياب الأهلية السلوكية والنفسية ، فمن لا يؤتمن على "فلذة كبده"، كيف يؤتمن على أرواح أبناء الآخرين؟ إن هذا المنطق بحد ذاته كارثة أخلاقية وقانونية، ويؤكد أن الحافلة في تلك اللحظة لم تكن ملكية خاصة، بل كانت مرفقاً عاماً يخضع لقوانين الدولة وسيادتها لا لأهواء الأفراد وعقلياتهم.
ما حدث ليس حادثة معزولة، بل نتيجة طبيعية لفوضى عارمة تُدار بها عملية نقل الطلبة، حيث تنتشر الحافلات غير المرخصة، ويقودها أشخاص لا يخضعون لأي تدقيق أمني أو مهني، في ظل غياب شبه كامل للرقابة ، فهؤلاء لا ينقلون طلبة، بل يحملون أرواحاً بريئة في مركبات تفتقر لأدنى شروط السلامة، في مشهد يرقى إلى مستوى "الإهمال الممنهج".
إن الواقع اليومي مؤلم ، ومشهد الطلبة يُكدّسون داخل حافلات بشكل غير إنساني يتجاوز أحياناً ضعف طاقتها الاستيعابية، وسائقون غير مؤهلين، وطرق خطرة بلا أي حماية، وأولياء أمور يعيشون قلقاً يومياً وهم يودعون أبناءهم ، فكيف يمكن لطالب أن يتعلم، أو أن يشعر بالانتماء لمدرسته، وهو يبدأ يومه بالخوف؟ وكيف نطالب بالتحصيل والتميز في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان؟
الأخطر من ذلك، أن الدولة ليست بلا أدوات ، "فنظام ترخيص مقدمي خدمات النقل المدرسي ورياض الأطفال" الصادر عام ٢٠١٨ موجود، وواضح، وصارم. وقد طُبق جزئياً عبر بعض الشركات الخاصة، لكنه بقي محدوداً ومحصوراً، فيما تُركت الساحة مفتوحة لعشرات، بل مئات الحافلات غير القانونية لتعمل دون رقيب أو حسيب، خاصة في الأحياء الشعبية ومختلف محافظات المملكة.
نعم، قد يرى بعض أصحاب الحافلات أن كلفة الالتزام بالتراخيص والإجراءات مرتفعة، وأنها تثقل كاهلهم، لكن هذا لا يمكن أن يكون مبرراً واحداً لتعريض حياة الطلبة للخطر ، فحياة أبنائنا ليست بنداً مالياً يُحسب بالربح والخسارة، ولا يجوز أن تُترك رهينة لقدرة هذا السائق أو ذاك على الالتزام بالقانون.
إن الفجوة بين النصوص والتطبيق لم تعد مجرد خلل إداري، بل أصبحت شبهة تقصير جسيم تتحمل مسؤوليته جهات واضحة ، فكل يوم تستمر فيه هذه الفوضى، هو يوم تُوضع فيه أرواح الطلبة على المحك، وكل حادثة جديدة هي دليل إضافي على أن الصمت لم يعد حياداً، بل تواطؤاً مع الخطر .
المطلوب اليوم ليس تجارب محدودة، بل قرار سيادي حاسم وخارطة طريق زمنية واضحة، تبدأ بفرض التطبيق الصارم لنظام ٢٠١٨ دون أي استثناء أو مجاملة، وإطلاق منظومة نقل مدرسي وطنية شاملة تخضع لرقابة حقيقية ومحاسبة فعلية، مع إغلاق الباب تماماً أمام أي وسيلة نقل غير مرخصة. كما يجب إيجاد حلول عملية لدمج صغار المشغلين ضمن إطار قانوني منظم، لا تركهم يعملون خارج القانون ويشكلون خطراً دائماً.
هذه القضية لم تعد تحتمل البيانات ولا الوعود، بل تحتاج إلى قرارات تُنفذ على الأرض ، فأرواح أبنائنا ليست أرقاماً في تقارير، ولا أخباراً عابرة تُنسى في اليوم التالي، بل هي خط أحمر لا يجوز تجاوزه .
إننا اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن نكون دولة تحمي أبناءها وتفرض القانون، أو نترك الفوضى تواصل حصد أرواح الأبرياء بصمت ، وكل تأخير بعد اليوم هو مسؤولية مباشرة عن أي مأساة قادمة.
والله ولي التوفيق.