الحرب الإيرانية–الأمريكية الإسرائيلية .. والخيارات الصعبة
م. عبدالفتاح الدرادكة
17-03-2026 04:16 PM
تتجدد في المنطقة واحدة من أكثر المواجهات تعقيدًا وتشابكًا: صراع مفتوح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وبين هذين المشروعين، يجد العالم العربي نفسه مرة أخرى في موقع المتأثر لا المؤثر، محاطًا بأسئلة صعبة تتعلق بالأمن والسيادة والخيارات الاستراتيجية.
منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران لم تكن العلاقة العربية–الإيرانية مستقرة. صحيح أن إيران دولة إسلامية، إلا أن البعد القومي الفارسي ظل حاضرًا بقوة في سياستها الإقليمية. فالتغيير من نظام الإمبراطوري الشاهنشاهي إلى النظام الجمهوري الإسلامي لم ينعكس تقاربًا مع الدول العربية، بل على العكس، شهدت العلاقات مزيدًا من التوتر، خاصة مع اندلاع الحرب العراقية الايرانية والتي عمّقت الشكوك المتبادلة ورسخت صراع النفوذ.
وتبقى القضايا الخلافية قائمة حتى اليوم، وعلى رأسها التشييع والنزاع في اليمن والتداخلات في لبنان ومحاولة النأثير على البحرين وضرب قطر والخلاف مع الامارات على جزر الطمب الكبرى والطمب الصغرى وابو موسى وهي ملفات كان يُفترض أن تجد حلولًا أكثر مرونة في ظل خطاب “الأخوة الإسلامية”، إلا أن منطق الدولة القومية والمصالح الاستراتيجية غلب على ذلك.
في هذا السياق، يمكن القول إن المنطقة تعيش بين مشروعين متنافسين: مشروع إيراني يسعى إلى توسيع نفوذه الإقليمي مستندًا إلى أدوات سياسية وعسكرية وعقائدية، ومشروع صهيوني تدعمه بقوة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، مع تأثير واضح لمراكز القوى واللوبيات الداعمة له في الاقتصاد والسياسة العالمية مع غياب المشروع العربي.
المفارقة المؤلمة أن كلا المشروعين يتقاطعان في كونهما لا يمنحان أولوية حقيقية للمصالح العربية. فإيران، رغم خطابها المناهض للغرب، دخلت في لحظات مفصلية في تقاطعات مع واشنطن، كما حدث خلال غزو العراق حيث استفادت من إسقاط خصمها الإقليمي الأكبر. وفي المقابل، تمضي إسرائيل في ترسيخ هيمنتها الإقليمية بدعم غربي غير محدود، دون اكتراث حقيقي بتوازنات المنطقة أو استقرارها.
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو سقطت إيران؟
قد يبدو للبعض أن ذلك يضعف أحد مصادر التوتر في المنطقة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فغياب إيران كقوة إقليمية سيخلق فراغًا استراتيجيًا قد يُملأ سريعًا، وربما يفتح الباب أمام توسيع النفوذ الإسرائيلي بشكل غير مسبوق، أو إعادة توجيه الضغوط نحو قوى إقليمية أخرى مثل السعودية وتركيا ومصر او حتى باكستان بوصفها قوة نووية إسلامية.
وفي المقابل، فإن بقاء إيران كقوة فاعلة، رغم ما يرافق ذلك من إشكالات وتدخلات في الشأن العربي، قد يشكل نوعًا من التوازن غير المريح، لكنه يحد من التفرد الإسرائيلي في المنطقة. إنها معادلة “التوازن السلبي” حيث لا يوجد خيار مثالي، بل خيارات أقل سوءًا.
ما يزيد المشهد تعقيدًا هو تداخل الساحات: العراق، الخليج، وبلاد الشام. ففي العراق مثلًا، يتجلى النفوذ الإيراني بوضوح، لكنه يترافق أحيانًا مع تناقضات ميدانية وأمنية تعكس صراعًا داخليًا على النفوذ. أما في الخليج، فقد تصاعدت التوترات بشكل خطير، مع استهدافات مباشرة وغير مباشرة تهدد أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا الصراع بمنطق “من الأفضل”، بل بمنطق إدارة المخاطر. فالعالم العربي ليس بحاجة إلى الانحياز الأعمى لأي من المشروعين، بقدر ما هو بحاجة إلى بناء مشروعه الخاص، القائم على التكامل الإقليمي وتعزيز عناصر القوة الذاتية، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط اشتعال الحرب، بل استمرار غياب الفاعلية العربية في استعادة هيبتها والحفاظ على مصالحها وشخصيتها ورسالتها . وبينما تتصارع القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ، يبقى السؤال معلقًا: هل ستبقى الساحة العربية ساحة للصراع الإقليمي تتأثر منه الكيانات العربية ولا تؤثر فيه، أم تكون هناك صحوة تمكنها من صياغة قواعد اللعبة بحيث تتمكن من الحد من اطماع الغير والمحافظة على هيبتها.
والله من وراء القصد