الحسين ورؤية تُعيد تشكيل موقع الأردن في اقتصاد الذكاء الاصطناعي
د. علي الروضان
18-03-2026 04:16 AM
في عالم تُعاد فيه صياغة موازين القوة عبر الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: من يمتلك التكنولوجيا؟ بل أصبح: من يمتلك القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية وسيادية. هذا التحول يضع الدول أمام لحظة مفصلية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي خيارًا تقنيًا، بل مسارًا استراتيجيًا يعيد تعريف الاقتصاد وسوق العمل ودور الدولة.
وفي هذا السياق، يبرز الأردن برؤية واضحة يقودها سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، تُعيد توجيه مسار المملكة من التحول الرقمي إلى بناء اقتصاد محوره الذكاء الاصطناعي.
ما يميز هذه الرؤية أنها لا تنطلق من التكنولوجيا بحد ذاتها، بل من فهم عميق لدورها في إعادة تشكيل موقع الأردن في الاقتصاد العالمي. فالأردن لا يسعى فقط إلى استخدام الحلول الذكية، بل إلى بناء منظومة متكاملة تجعل من الذكاء الاصطناعي محركًا للنمو، ومصدرًا للفرص، وأداة لتعزيز التنافسية.
ومن هنا جاء تأسيس المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل كإطار وطني يوحّد الجهود، ويربط بين السياسات والمشاريع والقطاع الخاص، ويحوّل المبادرات إلى مسار وطني متكامل قائم على الأثر والنتائج.
وعلى أرض الواقع، تتجسد هذه الرؤية في مشاريع استراتيجية مثل مدينة العقبة الرقمية، التي تمثل نقطة تحول في بناء البنية التحتية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي. إذ تضم مراكز بيانات متقدمة، وربطًا عالميًا عبر الكوابل البحرية، وقدرات سحابية متطورة، ما يجعلها منصة إقليمية قادرة على استقطاب الاستثمارات واستضافة التطبيقات المتقدمة. ومن هنا تبدأ ملامح اقتصاد الذكاء الاصطناعي، انطلاقًا من بنية قادرة على دعمه على نطاق واسع.
وفي موازاة ذلك، تتجه الدولة إلى إعادة تعريف البيانات الوطنية، ليس كأرشيف إداري، بل كأصل اقتصادي استراتيجي. فمن خلال منصات البيانات المفتوحة، ومشاريع تنقية وربط السجلات، والتوجه نحو بناء سجل وطني موحد، تتشكل قاعدة بيانات مترابطة تمهّد لتطبيقات أكثر ذكاءً وكفاءة. وهذا التحول يفتح المجال أمام اقتصاد قائم على التحليل، واتخاذ القرار المبني على البيانات، وتطوير حلول مبتكرة في مختلف القطاعات.
وفي قلب هذا التحول، يبرز بعد حاسم يتمثل في حوكمة الذكاء الاصطناعي (AI Governance)، حيث يتطلب التوسع في استخدام الأنظمة الذكية إطارًا يوازن بين الابتكار والانضباط المؤسسي. فإدارة البيانات، وحماية الخصوصية، وتعزيز الأمن السيبراني، لم تعد ملفات منفصلة، بل عناصر مترابطة تشكّل أساس الثقة في الاقتصاد الرقمي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متقدمًا بأن التفوق في الذكاء الاصطناعي لا يتحقق بالتقنيات وحدها، بل بطريقة إدارتها ضمن منظومة واضحة ومستقرة.
ولم يبقَ هذا التوجه ضمن إطار التخطيط، بل بدأ ينعكس في تطبيقات تمس حياة المواطن اليومية. ففي التعليم، تظهر منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل “سراج”، وفي القطاع الصحي تتوسع الخدمات الرقمية، وفي العمل الحكومي تتسارع وتيرة رقمنة الخدمات وتسهيل الوصول إليها. وتعكس هذه المؤشرات انتقال الذكاء الاصطناعي في الأردن من فكرة مستقبلية إلى واقع عملي يتشكل بثبات.
ومع تطور هذا المسار، يبرز بعد أكثر تقدمًا يتمثل في ما يُعرف بالـ Agentic AI، حيث لا تقتصر الأنظمة الذكية على التحليل والتوصية، بل تتجه نحو اتخاذ القرار وتنفيذ المهام بشكل شبه مستقل. وهنا تتضح أهمية ما يتم بناؤه اليوم في الأردن، من بنية تحتية رقمية وقواعد بيانات متكاملة، كقاعدة للانتقال إلى هذه المرحلة، التي يمكن فيها تطوير وكلاء ذكيين لإدارة الخدمات، ودعم القرارات الاقتصادية، ورفع كفاءة المؤسسات بشكل غير مسبوق.
في هذا المشهد، لا يظهر التحول كمجموعة مشاريع منفصلة، بل كمنظومة مترابطة تعيد رسم دور الأردن في الاقتصاد الرقمي. ومع تسارع هذا المسار، تتضح ملامح مرحلة جديدة، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءًا مدمجًا في بنية الدولة والاقتصاد، وليس مجرد أداة تقنية مضافة.
الرسالة التي تتشكل اليوم واضحة: بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي يبدأ من الرؤية، ويترسخ بالبنية، ويتسارع بالبيانات، ويكتمل بالحوكمة والكفاءات.