حين تتحوّل الصدقة إلى عبءٍ على الكرامة
نصر عصفور
18-03-2026 12:55 PM
مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك، تتكرّر مشاهد كان يفترض أن تكون عنوانًا للخير، فإذا بها تبتعد عن جوهر هذا الشهر وروحه. رمضان الذي شُرِّع ليكون مدرسةً للرحمة، والتقوى، وضبط النفس، والاقتصاد في الإنفاق، بات في بعض مظاهره ساحةً لممارسات تُثقل كاهل المحتاج بدل أن تُخفّف عنه.
ومن أبرز هذه المظاهر ما يُعرف بـ“طرود الخير”. تلك الصناديق التي يُفترض أن تحمل في داخلها معاني التكافل، أصبحت في كثير من الأحيان عبئًا نفسيًا على من يتلقّاها. فبدل أن تُقدَّم بما يحفظ كرامة الإنسان، تُوزَّع أحيانًا بأساليب تُشعر المحتاج بأنه مكشوف أمام الناس، لا سيما عندما تُكتب أسماء المتبرعين أو الشركات عليها، وتُوثَّق لحظات تسليمها بالكاميرات، وكأنها مناسبة دعائية لا فعل إنساني خالص.
إن العائلة التي تعاني ضيق الحال لا تحتاج إلى إعلان فقرها أمام الجيران، ولا إلى “كرتون” محدود المحتوى لا يلبّي احتياجاتها الفعلية. هي تحتاج قبل كل شيء إلى أن تُصان كرامتها، وأن يصلها العون بطريقة تحفظ ماء وجهها. فالمحتاج أدرى بحاجاته، وقد يكون الدعم النقدي إذا قُدِّم بسرية واحترام أكثر فاعليةً وإنسانية.
لقد حثّ الدين الإسلامي على الصدقة، لكنه في الوقت ذاته شدّد على أن تكون خفية، بعيدة عن الرياء أو الأذى. قال تعالى: “إن تُبدوا الصدقات فنعِمّا هي، وإن تُخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم”، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الكرامة مقدَّمة على الاستعراض، وأن الإحسان الحقيقي هو ما يُقدَّم دون أن يترك أثرًا من الحرج في نفس المتلقي.
ولم يقتصر هذا المعنى على التعاليم الإسلامية فحسب، بل جاء متوافقًا مع ما ورد في الكتاب المقدس في المسيحية، حيث يؤكد على أن العطاء الحقيقي هو ما يُقدَّم في الخفاء، بعيدًا عن أعين الناس واستعراضهم. فقد جاء في إنجيل متى: “ومتى صنعتَ صدقةً فلا تُصوِّت قدامك بالبوق كما يفعل المراؤون لكي يمجّدوهم الناس. الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صنعتَ صدقةً فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك، لكي تكون صدقتك في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية.”
وهذا يلتقي مع جوهر القيم الإنسانية المشتركة، التي ترى في حفظ كرامة الإنسان أساسًا لكل عمل خيري، وتؤكد أن العطاء الذي يُرافقه استعراض أو كشف لحال المحتاج يفقد معناه الحقيقي، ويتحوّل من فعل رحمة إلى مصدر ألم خفي.
وفي عصرنا هذا، لم تعد وسائل العطاء محدودة. يمكن إيصال الدعم بطرق كثيرة تحفظ الخصوصية، سواء عبر تحويلات مالية مباشرة، أو من خلال مؤسسات خيرية مرخّصة تعمل وفق قواعد تحفظ بيانات المحتاجين وتصون كرامتهم. كما أن توجيه التبرعات ضمن منظومات منظمة وتحت رقابة يضمن عدالة التوزيع ووصول الدعم لمن يستحقه فعلًا.
ولا تقف الإشكالية عند “طرود الخير” فقط، بل تمتد إلى مظاهر أخرى نراها في رمضان: الإسراف في الطعام، التهافت على الأسواق، السهرات التي تُفرغ الشهر من معناه، والتكاسل عن العمل بحجة الصيام. وكأننا نسينا أن هذا الشهر هو شهر عبادة وعمل، لا شهر استهلاك وتعطيل.
إن إعادة الاعتبار لروح رمضان تبدأ من مراجعة سلوكنا، أفرادًا ومؤسسات. فالعطاء ليس بما نُظهره، بل بما نُخفيه؛ وليس بما نصوّره، بل بما نتركه من أثر طيب في النفوس. الكرامة الإنسانية ليست تفصيلًا، بل هي جوهر كل عمل خيري.
فلنُعد للصدقة معناها الحقيقي: رحمة تُخفَّف بها المعاناة، ويد تمتد في صمت، تحفظ للإنسان إنسانيته قبل أن تسدّ حاجته.