شجاعة القرار .. الملك في التوقيت
الدكتور علي فواز العدوان
18-03-2026 03:01 PM
في لحظات الاستقرار، تصبح الزيارات الرسمية جزءًا من إيقاع دبلوماسي معتاد. أما في لحظات العواصف، فإن كل خطوة تتحول إلى موقف، وكل تحرك يُقرأ باعتباره رسالة سياسية محسوبة بدقة. ومن هذا المنطلق، تأتي الجولة الخليجية التي يقودها الملك عبد الله الثاني بن الحسين إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين كفعل شجاعة سياسية، لا كتحرك بروتوكولي.
المنطقة اليوم ليست في حالة توتر عابر، بل في قلب إعادة تشكيل قسرية لموازين القوى، حيث تتداخل المشاريع الدولية مع الطموحات الإقليمية، وتُدفع الدول نحو اصطفافات حادة أو مواجهات مفتوحة. في مثل هذا السياق، تميل كثير من القيادات إلى الحذر، أو الترقب، أو حتى الانكفاء. لكن القيادة الحقيقية تُقاس بالقدرة على التحرك في ذروة المخاطر، لا في هوامشها.
شجاعة هذه الجولة لا تكمن في مضمونها فقط، بل في توقيتها واتساعها. فهي ليست زيارة منفردة، بل تحرك متكامل يعكس إدراكًا بأن إدارة المرحلة لا تكون عبر قنوات ثنائية فقط، بل عبر بناء شبكة تنسيق عربي متماسكة. إنها رسالة بأن الأردن لا ينتظر نتائج الصراع ليحدد موقفه، بل يسهم في صياغة المسار، ويعمل على كبح الانفلات قبل أن يتحول إلى فوضى شاملة.
الملك، في هذه الجولة، لا يتحرك كقائد دولة ضمن إقليم مضطرب فحسب، بل كصاحب دور في إعادة هندسة التوازنات العربية. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، يقف على تماس مباشر مع بؤر التوتر، ما يجعله أكثر الدول إدراكًا لكلفة الانفجار الإقليمي. ومن هنا، فإن التحرك الأردني ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الداخل، وصون الإقليم في آن واحد.
كما تعكس الجولة إدراكًا عميقًا لأهمية العمق الخليجي في معادلة الاستقرار العربي. فالتحديات لم تعد تحتمل العمل الفردي، ولا يمكن مواجهتها بسياسات مجتزأة. والتنسيق مع دول الخليج، بكل ما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي، يشكل ركيزة أساسية في بناء موقف عربي قادر على الصمود، لا مجرد التكيف مع الأزمات.
لكن الأهم من ذلك، أن هذه الجولة تحمل في جوهرها تأكيدًا على ثبات الموقف الأردني: لا قبول بأن يكون الأردن ساحة صراع، ولا سماح بفرض أجندات خارجية على حساب أمنه واستقراره. وهذه ليست مجرد شعارات، بل سياسة عملية تُترجم بتحركات محسوبة، ومواقف واضحة، ورسائل لا تحتمل التأويل.
في المحصلة، شجاعة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين لا تُقاس بالخطاب، بل بالفعل. وجولته الخليجية في هذا التوقيت تمثل نموذجًا للقيادة التي تعرف متى تتحرك، وكيف، ولماذا. إنها شجاعة القرار في زمن التردد، وثبات الرؤية في لحظة ضبابية إقليمية غير مسبوقة.
وفي زمن تُدار فيه الأزمات بردّات الفعل، يثبت الأردن مرة أخرى أنه لا ينتظر الأحداث… بل يصنع موقعه داخلها.