لماذا يكيل بعض العرب بمكيالين عندما يتعلق الأمر بإيران؟
م. وائل سامي السماعين
18-03-2026 09:12 PM
ليس من السهل فهم حالة الازدواجية التي تسود بعض الخطابات العربية عندما يتعلق الأمر بالنظام الإيراني. فبينما ترتفع الأصوات، بحق، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه بحق الفلسطينيين، يختفي هذا الوضوح الأخلاقي أو يضعف كثيراً حين يكون الحديث عن سياسات إيران الداخلية والإقليمية، رغم أن سجل هذا النظام، منذ عام 1979، حافل بالقمع الداخلي والتدخلات الخارجية التي ألحقت أضراراً جسيمة بإيران نفسها وبعدد من الدول العربية.
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم يوجّه النظام الإيراني موارده الوطنية نحو بناء دولة مزدهرة تستجيب لتطلعات شعبه بقدر ما كرّس جانباً كبيراً منها لخدمة مشروع سياسي وأيديولوجي توسعي. وقد انعكس ذلك بوضوح في انخراطه العميق في أزمات المنطقة، وما ترتب على ذلك من إسهام في تعقيد المشهد في العراق وسوريا ولبنان واليمن، إلى جانب محاولاته المستمرة لمد نفوذه إلى ساحات عربية أخرى، الأمر الذي أثار، ولا يزال، مخاوف مشروعة في عدد من دول المنطقة.
وفي الداخل الإيراني، لا يمكن إنكار ما شهدته البلاد خلال العقود الماضية من تضييق على الحريات العامة، وقمع للاحتجاجات، وتشديد على المرأة، وملاحقة للمعارضين، في ظل خطاب سياسي يربط بين أي نقد للنظام وبين استهداف الإسلام أو العداء للهوية الدينية. غير أن هذا الربط يفتقر إلى الدقة والموضوعية، لأن العالم الإسلامي يضم عشرات الدول والمجتمعات التي تمارس فيها الشعائر الدينية بصورة طبيعية، وتعيش فيها أيضاً مكونات دينية أخرى ضمن درجات متفاوتة من التعايش والاستقرار. ومن ثم، فإن الخلط بين الإسلام كدين ومصدر حضاري، وبين ممارسات نظام سياسي بعينه، هو خلط يضر بالحقيقة أكثر مما يخدمها.
وهنا تبرز مسألة شديدة الأهمية: فانتقاد النظام الإيراني لا يعني العداء للإسلام، كما أن رفض تدخلاته في شؤون الدول العربية أو الاعتراض على نهجه القمعي لا يعني تلقائياً الاصطفاف مع خصومه أو تبرئة أي طرف آخر من أخطائه. وهذه نقطة كان يفترض أن تكون بديهية، لكنها للأسف أصبحت موضع تشويش متكرر في كثير من السجالات السياسية والإعلامية العربية.
المفارقة أن بعض الأصوات العربية تتعامل مع النظام الإيراني بقدر من التساهل أو التبرير، فقط لأنه يرفع شعارات تتصل بالقضية الفلسطينية أو بمواجهة إسرائيل. والحقيقة أن هذا المنطق ينطوي على خلل أخلاقي وسياسي واضح؛ إذ لا يوجد أي تعارض بين دعم الحق الفلسطيني، والوقوف ضد الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين، وبين رفض القمع الذي يمارسه النظام الإيراني ضد شعبه، أو رفض تدخله في شؤون الدول العربية. بل إن الموقف المبدئي السليم يقتضي رفض الظلم في الحالتين معاً، لا استخدام ظلم طرف للتغطية على ظلم طرف آخر.
إن جوهر القضية هنا هو اتساق المعايير. فإذا كنا نؤمن فعلاً بالحرية والكرامة وحقوق الإنسان، فلا يجوز أن تصبح هذه المبادئ انتقائية، تُستدعى في حالة، وتُعطّل في حالة أخرى، تبعاً للهوى السياسي أو الاصطفاف الأيديولوجي. فالنظام الذي يقمع شعبه، ويبرر تدخلاته الخارجية بشعارات كبرى، لا يصبح أقل استبداداً لمجرد أنه يرفع راية “المقاومة”، تماماً كما أن الحكومة التي ترتكب الجرائم بحق المدنيين لا تصبح أقل إدانة لأنها تتحدث عن الأمن أو الدفاع عن النفس.
ولعل الأزمة الأعمق في بعض البيئات العربية تكمن في أن النقاش حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ما يزال في كثير من الأحيان أسير العاطفة والاستقطاب، لا أسير القراءة الموضوعية والمتزنة. لذلك، يصبح نقد أي طرف محسوب على ما يسمى “محور المقاومة” عند البعض وكأنه انحياز إلى إسرائيل، بينما الحقيقة أن الموقف المتوازن لا يقبل هذه الثنائية الزائفة، بل يرفض الاستبداد أينما كان، ويرفض كذلك توظيف القضايا العادلة لتبرير الطغيان أو الهيمنة أو التوسع.
ولا شك أن الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة، ليس بمنأى عن النقد، وله سجل من السياسات الخاطئة التي ألحقت أضراراً كبيرة بشعوب ودول كثيرة. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتبرير أنظمة أخرى تمارس القمع والاستبداد باسم شعارات مختلفة. فالخطأ لا يُصحح بخطأ آخر، والانحياز للحق لا يكون بالانتقائية.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا بد من طرحه بوضوح: لماذا تصمت بعض التيارات أو بعض الجماهير العربية التي تتبنى خطاب “المقاومة” عن الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها النظام الإيراني بحق شعبه؟ ولماذا يُنظر إلى الضحايا في مكان بعين التعاطف، بينما يُطلب تجاهل ضحايا مكان آخر لأن الجلاد يرفع شعاراً سياسياً محبوباً؟ أليس هذا، في جوهره، شكلاً واضحاً من أشكال الكيل بمكيالين؟
إن المنطقة اليوم أحوج ما تكون إلى مراجعة صادقة للمفاهيم والمواقف، وإلى قدر أكبر من الوضوح الأخلاقي والسياسي، بحيث لا تتحول الشعارات الكبرى إلى ستار يحجب حقيقة الاستبداد. فالعدل لا يتجزأ، وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تخضع للحسابات الأيديولوجية، وحقوق الشعوب لا يجب أن تكون رهينة لهوية الجلاد أو موقعه في خريطة التحالفات.
في النهاية، ليست القضية من يرفع شعار “المقاومة”، ولا من يدّعي الدفاع عن “الديمقراطية”، بل من يحترم الإنسان، ويحفظ كرامته، ويصون حقه في الحرية والحياة. وأي موقف لا ينطلق من هذا المبدأ، سيبقى موقفاً منقوصاً، مهما بدا صاخباً أو مبدئياً في ظاهره.