facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل آن أوان "المحافظات المتخصصة"؟


د. اخليف الطراونة
19-03-2026 12:38 AM

في كل مرة نناقش فيها مشكلتي البطالة وتباطؤ النمو، نعود إلى الأدوات ذاتها: حوافز عامة، مشاريع موزعة بلا بوصلة واضحة، وتوسّع أفقي لا يراكم ميزة ولا يصنع فرقاً نوعياً. والنتيجة معروفة: فرص عمل محدودة، وهجرة داخلية متواصلة نحو العاصمة، وفجوة تنموية تتسع بين المركز والأطراف.

ربما آن الأوان لنسأل سؤالاً مختلفاً: ماذا لو تعاملنا مع كل محافظة بوصفها منظومة اقتصادية متخصصة، لا مجرد وحدة إدارية تنتظر حصتها من المشاريع؟

الفكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها: لكل محافظة في الأردن ما يميزها-موقع، موارد، بنية بشرية، تاريخ-فلماذا لا نبني على هذه الميزة ونحوّلها إلى تخصص واضح تتكامل حوله الاستثمارات، والتعليم، والتشريعات؟ هكذا نصنع "عناقيد" اقتصادية حقيقية، لا مشاريع متناثرة.

لنبدأ من عمّان، العاصمة ليست بحاجة إلى مزيد من الأنشطة التقليدية؛ ميزتها الحقيقية في الاقتصاد المعرفي والخدمات المالية. هنا يجب أن تتكثف شركات التكنولوجيا، وحاضنات الأعمال، والخدمات المصرفية المتقدمة، وأن تُربط الجامعات بسوق الابتكار لا بسوق الشهادات. كل وظيفة نوعية تُخلق في هذا القطاع تفتح أبواباً لسلسلة من الوظائف المساندة.

في إربد، حيث الكثافة الجامعية الأكبر، لا يكفي أن نقول "مدينة تعليمية". المطلوب أن تصبح عاصمة للبحث العلمي التطبيقي والصناعات الدوائية. لدينا عقول شابة ومؤسسات تعليمية راسخة؛ ما ينقص هو الربط الحقيقي مع الصناعة، وتمويل البحث المرتبط بحاجات السوق.

أما الزرقاء، فهي مرشحة بطبيعتها لتكون مركز الصناعة الثقيلة والتحويلية. قربها من البنية اللوجستية ومصادر الطاقة يمنحها أفضلية لا يجب أن تُهدر. المطلوب تحديث القاعدة الصناعية، وجذب استثمارات نوعية، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج نماذج قديمة منخفضة القيمة المضافة.

وفي العقبة، لا خلاف على أنها بوابة الأردن إلى العالم. لكن البوابة تحتاج إلى عمق: لوجستيات متقدمة، تجارة دولية، وسياحة نوعية تمتد آثارها إلى سلاسل توريد داخلية. العقبة قادرة على أن تكون منصة إقليمية إذا أُحسن توظيف ميزتها الجغرافية.

جنوباً، تملك الكرك ومعان مفاتيح مختلفة. الكرك بثرواتها المعدنية يمكن أن تقود الصناعات التعدينية ذات القيمة المضافة، لا الاكتفاء بتصدير المواد الخام. ومعان، بما تملكه من مساحات وإشعاع شمسي، مرشحة لتكون عاصمة الطاقة المتجددة في المملكة، مع صناعات مرافقة تولّد وظائف حقيقية.

وفي الطفيلة، حيث الطبيعة البكر، يمكن بناء نموذج للسياحة البيئية والتنمية المحلية يخلق دخلاً مستداماً للمجتمعات. بينما تمتلك مادبا كل المقومات لتكون مركزاً للسياحة الدينية والثقافية، مع إحياء الحرف والصناعات التراثية.

أما البلقاء والمفرق، فهما قلب الأمن الغذائي. الأولى بالصناعات الغذائية والزراعة الحديثة القريبة من السوق، والثانية بالزراعة الصحراوية والثروة الحيوانية على نطاق واسع. وهنا تتجلى فرصة حقيقية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وخلق وظائف في سلاسل الإنتاج والتسويق.

ولا يمكن إغفال جرش وعجلون، حيث يمكن صياغة منتج سياحي متكامل يجمع بين التاريخ والطبيعة، ويطيل مدة إقامة السائح ويزيد إنفاقه، بدل الزيارات الخاطفة.

قد يقول قائل إن هذا الطرح "نظري". الحقيقة انه عملي أكثر من أي وقت مضى، لكنه يحتاج إلى شرطين واضحين: قرار سياسي حاسم، وتنسيق مؤسسي صارم. التخصص لا يعني إقصاء بقية الأنشطة، بل إعطاء أولوية ذكية تبني حولها المنظومة: تعليم موجّه، حوافز استثمارية مخصصة، وبنية تحتية تخدم الهدف.

الأثر المتوقع ليس بسيطاً، عندما تتخصص المحافظات، تتوزع فرص العمل حيث الناس، لا العكس. تنخفض الهجرة الداخلية، وتتقلص البطالة، ويصبح لكل شاب أفق واضح في محافظته. كما يرتفع مستوى الإنتاجية، لأن كل دينار يُستثمر يذهب إلى مكان يعرف ماذا يفعل به.

التحدي الحقيقي ليس في الفكرة، بل في كسر النمط التقليدي في إدارة التنمية. لقد جرّبنا التعميم، فلنجرب التخصص. الأردن لا تنقصه الإمكانات، بل يحتاج إلى بوصلة. وربما تكون "المحافظات المتخصصة" هي هذه البوصلة التي طال انتظارها.

الرأي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :