مضيق هرمز سينهي الحرب حيث تعجز القوة
رامي خريسات
19-03-2026 03:12 AM
يعاكس التضخم الحالي وعود الرئيس الأميركي، الذي كان يصر وفاءً بتعهداته، على خفض أسعار الفائدة الفيدرالية والسعي إلى توفير نفط رخيص يدعم معدلات النمو الاقتصادي. غير أن هذا التضخم يربك تلك الوعود ويضغط على شعبيته، لا سيما بعد ارتفاع تكلفة وقود سيارة المواطن الأميركي وسعر سلته الغذائية.
ومؤخراً، زاد الطين بله تراجع دعم حلف الناتو والدول الأوروبية لتأمين السفن العابرة للمضيق، في ظل وجود إيران التي لا تحتاج ربما سوى إلى قوارب صغيرة لتنفيذ عمليات تفجيرية. لكنه في المقابل يرفع الآمال بقرب الانفراج، حيث بات الاقتصاد وأمن المضيق معقوداً عليهما الآمال في تغيير المعادلة.
هو يريد المضيق أن يعود سريعاً ودول الخليج كذلك؛ التي تراقب ارتفاع أسعار النفط المغرية بعين القلق لا الغبطة فبرغم ما يوفره من فوائض لميزانياتها، إلا أنها لا تستطيع الاستفادة حيث مخاطر المرور تطغى على مغريات المال وهناك ارتفاع الكلف، وآخرها أن ألغت شركات التأمين تغطية مخاطر الحرب للسفن التي تحاول العبور.
دول الخليج تفقد إيرادات مرور خمس نفط العالم قيمتها اليومية حوالي 2 مليار دولار، وحوالي ثلث تجارة اليوريا العالمية والأسمدة العالمية المهمة لإنتاج الغذاء، وهناك 60 % – 70 % من صادرات البتروكيماويات الخليجية تمر عبر هذا الممر الحيوي قيمتها 65 إلى 72 مليار دولار سنوياً.
عبر العالم ومن مصادر أخرى قد يتوفر النفط، لكن هناك نقطة تقنية في غاية الأهمية وهي ملاءمته، فمعظم المصافي في اقتصادات صناعية كبرى مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان صممت لمعالجة الخامات الخليجية الثقيلة،(Medium & Heavy Sour Crude) وتحويلها بكفاءة إلى ديزل وزيت وقود—وهما العمود الفقري لقطاعي الشحن والصناعة.
في المقابل، ينتج النفط الأميركي الخفيف نسبة أعلى من البنزين، وهو منتج لا يحظى بنفس مستوى الطلب الصناعي في الأسواق الآسيوية، بل هو ضار بمصافيها ببساطه لا تستطيع المصافي الآسيوية شرب النفط الأميركي واستخدامه يشبه تشغيل محرك مصمم للبنزين بوقود الديزل؛ كما أن الاستبدال ليوائم النفط الأميركي، يحتاج تكلفة بمليارات الدولارات وعمليات تحديث تستغرق سنوات طويلة.
مثالان يوضحان حجم الكميات ومأزق الدول الآسيوية الصناعية، الصين التي تستهلك نحو 16 مليون برميل يومياً والهند نحو 5.6 مليون برميل، تعتمد مصافيها بشكل جوهري على النفط الخليجي، ليس فقط لأنه أقل سعراً نسبياً، بل لأنه الأكثر توافقاً مع تصميم مصافيها ويستخرج منه الديزل ووقود الصناعة الضروري لهما.
أما الدول كثيفة الاستهلاك مثل الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وغيرهما، فهي في الوقت نفسه دول منتجة وتمتلك طاقات تكريرية متكاملة، ما يقلل اعتمادها على واردات بعينها.
فإلى جانب الخسائر المادية المباشرة للجميع، هناك موجة تضخم قادمة وتراجع في الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول. فمؤخراً، خفّض محللو بنك "جي بي مورغان" توقعاتهم لنمو الناتج المحلي غير النفطي للإمارات لعام 2026 بمقدار 0.5 نقطة مئوية، في حين خفضوها للسعودية بمقدار 0.3 نقطة مئوية فقط. ودقة هذه الأرقام تبقى رهينةً بمدى الحرب وتقلبات أسعار النفط.
ولا يمكن إغفال ما بنته تلك الدول الشقيقة عبر عقود من الاستقرار، وما تواجهه اليوم من اضطرار لزيادة الإنفاق الدفاعي لتأمين المنشآت الحيوية والحدود وهو إنفاق "غير تنموي" يضغط على فوائضها المالية، ناهيك أن إطالة أمد الحرب ليست في صالح المنطقة؛ إذ إن الخوف من انقطاع الإمدادات سيدفع العالم الهروب نحو الطاقة النووية والمتجددة.
لكن ما يبعث على التفاؤل هو قرب الانفراج وامتلاك دول الخليج احتياطيات مالية ضخمة، مدعومة بصناديق سيادية تبلغ أصولها مئات المليارات من الدولارات، إضافة إلى شركاتها الحكومية التي تتمتع بدعم حكومي على مر السنين، ناهيك عن بنية سياحية وعقارية ولوجستية عملاقة سيتسارع تعافيها. وقد أثبتت هذه الحرب مجدداً أن العالم لا يمكنه الاستغناء عن نفط المنطقة، وهو ما تؤكده الأسعار المتحفزة، والإقبال المستمر من مصافي التكرير الآسيوية التي أشرنا إليها سابقاً.
هي دول عريقة الدعم لاقتصادنا الوطني وفيها يعمل أبناؤنا، ولها فضل في دعم مشاريعنا التنموية. ولقد جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني لتؤكد أننا لسنا في مقعد المتفرجين، بل نحن داعمون متوثبون، وأن العلاقات الأخوية هي متينة في السراء والضراء، وهو ما سينعكس إن شاء الله إيجاباً على الأردن في مقبل الأيام.
الغد