في السبعينات، لم يكن جبل التاج مكانًا لافتًا. كان يكفي أن يمرّ النهار حتى يُنسى. في شارع الشهيد، كانت الحياة تسير بهدوء، دون ما يدعو إلى التوقف.
قرب محمص سونيا القديم، كانت رائحة القهوة تسبق كل شيء. تبقى في الهواء، حتى بعد أن يغادر الناس. الدكان مفتوح، والوجوه تتكرر، كأنها لم تغادر يومًا.
كنا نعبر من هناك. أحيانًا إلى المسجد، وأحيانًا إلى المدرسة. لم نكن نسأل عن شيء. الطريق معروف، وهذا يكفي.
في أحد البيوت القريبة، كان يسكن شاب. لم يكن مختلفًا عن غيره. باب يُفتح ويُغلق، وخطوات لا يلتفت إليها أحد.
ربما مرّ بنا.
وربما لم يحدث.
لم يكن الأمر مهمًا.
بعد سنوات، صار الاسم معروفًا: جمال ريان. يظهر على الشاشة، بصوتٍ ثابت، لا يعلو ولا ينخفض كثيرًا. كان يتحدث كما لو أن الخبر مسؤولية، لا مجرد كلمات. لم يكن يسعى إلى لفت الانتباه، ومع ذلك كان يُنصت إليه.
قليلون من يشبهونه في ذلك.
كان حاضرًا دون أن يفرض حضوره.
ثم، بعد وقتٍ طويل، بدا أن هناك تفصيلًا صغيرًا لم ننتبه له:
هذا الرجل، الذي صار أحد وجوه الإعلام العربي، كان هنا.
في الشارع نفسه.
قرب المحمص ذاته.
في زمنٍ لم يكن يعني لنا شيئًا.
وعندما جاء خبر رحيله، لم يتغير المكان. بقي الشارع كما هو. وربما لم يعد المحمص كما كان. لا أحد يعرف على وجه الدقة.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا:
أن ذلك الشاب، الذي لم يكن يلفت الانتباه، صار لاحقًا اسمًا يُعرف، وصوتًا يعتمد عليه كثيرون في متابعة ما يجري حولهم. لم يكن صاخبًا، ولم يحتج إلى ذلك. كان يكفي أن يكون دقيقًا، وأن يبقى على مسافة من كل شيء.
وهذا، في حد ذاته، نادر.
رحل جمال ريان، لا بوصفه اسمًا عابرًا، وانما بوصفه واحدًا من أولئك الذين أدّوا عملهم بهدوء، وتركوا أثرًا لا يحتاج إلى شرح.
وفي الصباح، سيعبر آخرون من شارع الشهيد. ستمرّ الأيام كما كانت.
لكن، في مكانٍ ما من الذاكرة، سيبقى هذا التفصيل الصغير:
أن أحد أبرز الإعلاميين العرب… بدأ من هنا.