مع تزايد المنعطفات وتعدد الاتجاهات، تتبدل القناعات وتتعاظم التحديات، تتقاطع الاهتمامات وتتشابك المسارات، فلا ثبات في العلاقات ولا وضوح في القرارات، وما بين دولةٍ وأخرى، تتفاوت الإمكانات وتختلف القناعات، ومع تباين القوى وتعدد صورها سياسيةً كانت أم اقتصادية، عسكريةً أم جغرافية، تتزايد التساؤلات عن أهمية القرارات الجيوسياسية والجيوستراتيجية في العمليات العسكرية والأمنية؟
قوى الدول لم تعد تقاس بالأسلحة التقليدية ولا في القوة العسكرية لوحدها، بل بقدرةٍ الدولة على إدارة ملفاتها وتطوير أعمالها والاستفادة من مواردها، وتحديد ما لها من حقوق وما يترتب عليها من التزامات؛ كما لم يعد الاقتصاد أرقامًا تُحصى، ولا نموًا يُرتجى، بل منظومةُ نفوذٍ تُبنى، وشبكةُ مصالحَ تُرعى، أما الطرق التجارية والممرات المائية فهي ليست خطوطًا على خرائط وانما هي وسائل ورسائل تربط بين مختلف الجهات وتحقق المصالح والغايات، بها يتدفق الإنتاج، ومنها تتشكل موازين الاستهلاك، وعليها تُبنى رهانات المستقبل، فمن يملك الادارة الذكية والإرادة القوية، سيمتلك زمام التأثير، ويرجح كفة التغيير.
على الرغم من تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، وتنامي الدعوات إلى اقتصادٍ مستدام، لا يزال النفط والغاز عصبًا لا يُستغنى عنه، وركيزةً لا يُتجاوز دورها، مما يجعل مواقع الإنتاج وممرات العبور بؤرَ جذبٍ وصراع، ومحاورَ شدٍّ وجذب، في معادلةٍ جيوسياسيةٍ لا تعرف السكون ولا تقبل الجمود.
التنافس الاقتصادي لم يعد محض سباقٍ في الأسواق، بل صراعًا في الاستراتيجيات، وتنافسًا في الرؤى والغايات، فالدول لا تسعى إلى النمو فحسب، بل إلى النفوذ؛ ولا تطمح إلى الاكتفاء فحسب، بل إلى الاستقلال؛ فتُحكم سلاسلها، وتُحصّن مواردها، وتُقلّص ارتهانها، لتبقى صاحبة القرار، وسيدة المسار.
عالم اليوم ليس امتدادًا للأمس، ولا تمهيدًا للغد، بل مرحلةُ إعادةِ تعريفٍ للمسارات، وإعادةِ تشكيلٍ للأولويات. وفي خضم هذا التحول، لا ينجح من يملك الموارد وحدها، بل من يُحسن توظيفها، ولا يتقدم من يمتلك الإمكانات فحسب، بل من يُدرك اتجاهاتها.
تقف الدول اليوم على مفترق طرقٍ لا يحتمل التردد، طريقٌ يُفضي إلى الاستثمار والازدهار، عبر تعظيم الموارد وتنويع المصادر، وطريقٌ آخر يراهنّ على الملف العسكري، ويستنزف القدرات، ويعطل العلاقات ويهدّد الاستثمارات. وبين ما بين طريق وطريق، تتجلى الاختلافات، وتظهر الإختلالات، تتنوع الاختيارات، وتتباين الأولويات، تتحدد المسارات وتتخذ القرارات !