رسالة محبة ووفاء واعتزاز إلى أهلنا في الخليج العربي
م. وائل سامي السماعين
19-03-2026 05:53 PM
من أجمل ما منحتني الحياة، ومن أصدق ما أعتز به في مسيرتي، أنني عشت سنواتٍ طويلة بين أهلنا في الخليج العربي، فعرفتهم عن قرب، لا من خلال الأخبار ولا من وراء المسافات، بل من خلال العِشرة، والعمل، والمواقف، والأيام التي تكشف معادن الرجال وصدق الشعوب.
لقد ترعرعت بين أفراد القوات المسلحة القطرية، وخدمت لأكثر من خمسة عشر عامًا كأردني في السلك العسكري، ولم أرَ خلال تلك السنوات إلا صفاءً في القلوب، ونبلًا في الأخلاق، وشهامةً في المواقف، ووفاءً لا يتبدل. كانوا أهل مروءة أصيلة، وأصحاب نخوة صادقة لا تعرف التكلّف، وقلوبهم عامرة بالمحبة والكرم. وكلما اقتربت منهم، ازددت يقينًا بأن بين أهل الخليج وأهل الأردن، ولا سيما أهل الكرك، شبهًا كبيرًا في الطبع الأصيل، وفي الكرم، وفي النجدة، وفي احترام الإنسان.
وما تزال الذاكرة حيّة بصور التواضع الجميل لقادتهم بين الناس؛ فما زلت أذكر سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وهو يشارك الضباط لعب كرة القدم في شهر رمضان المبارك، في مشهد يجسد القرب من الناس وبساطة القائد وثقته بأبنائه. ثم واصل سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني هذا النهج الكريم، فما زلت أستحضره في ذاكرتي حين كان في الرابعة عشرة من عمره، يتجول مع أصدقائه في مجمع خليفة للتنس، ملتزمًا بالتعليمات وآداب الدخول إلى الملاعب، في صورة مبكرة تعكس الانضباط والتواضع واحترام النظام.
كما حظيت بالعمل في المملكة العربية السعودية قبل مرحلة الانفتاح الكبرى بقيادة سمو الأمير محمد بن سلمان، ورأيت بأم عيني البدايات الأولى لتحولٍ تاريخي كبير، لم يكن مجرد تغيير إداري أو اقتصادي، بل كان مشروع نهضةٍ شاملة، يُعيد تشكيل المستقبل بثقة، ويصنع للأجيال القادمة وطنًا أكثر قوةً وحضورًا وازدهارًا. ولم ألقَ من الإخوة السعوديين إلا كل محبة وتقدير واحترام، بل كنت ألمس في قلوبهم محبةً خاصة للأردني، وتقديرًا صادقًا للأردن وأهله، وهي مشاعر لا تُشترى ولا تُفرض، بل تُبنى على تاريخٍ من الأخوة الصافية والروابط العميقة.
وتحية محبة واعتزاز إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، هذا النموذج العربي المشرق الذي أثبت أن الرؤية حين تقترن بالإرادة تصنع المعجزات. فالإمارات لم تبنِ دولةً ناجحة فحسب، بل قدّمت للعالم درسًا في كيف يمكن للعقل العربي، حين يتحرر من التردد، أن يحوّل الصحراء إلى مركز عالمي للتجارة والسياحة والاستثمار والابتكار، في زمن قياسي يُحسب في عمر الأمم إنجازًا استثنائيًا.
ولا تكتمل رسالة الوفاء إلا بالتحية الصادقة إلى الكويت والبحرين وعُمان، تلك الدول التي كان لها دائمًا حضورها الكريم، ومواقفها النبيلة، وأدوارها المشرفة في خدمة الإنسان العربي، وفي ترسيخ قيم الاعتدال، والاحترام، والكرامة، والتسامح.
لقد كنتم، وما زلتم، السند للعرب، بل ولغير العرب من مختلف الجنسيات والطوائف. فتحتم أبوابكم للرزق، وللحياة الكريمة، وللفرصة، وللأمن، وللإنسان قبل أي شيء. وعلى أرضكم عاش الملايين بكرامة، وعملوا، وبنوا، وكبر أبناؤهم، وهم يشعرون أن هذه البلاد لم تكن يومًا مجرد أماكن عمل، بل كانت أوطانًا للخير، وحواضن للاستقرار، ومرافئ للأمل.
وما تتعرض له دولكم من تهديدات واعتداءات ومحاولات عبث بأمنها واستقرارها، لا يزيدكم إلا وقارًا، ولا يكشف إلا حجم الحكمة التي تتحلى بها قياداتكم وشعوبكم. إن ضبط النفس في لحظات الاستفزاز ليس ضعفًا، بل هو ذروة القوة، والحكمة عند اشتداد التوتر ليست تراجعًا، بل هي شجاعة الكبار الذين يعرفون متى يصبرون، ومتى يحسمون، ومتى يحمون أوطانهم بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة.
أنتم لستم دولًا عابرة في المشهد العربي، بل أنتم ركيزة استقرار، وعنوان اعتدال، وصوت عقل، وعمق استراتيجي للأمة كلها. ومن ينظر بصدق إلى ما قدمته دول الخليج لأمتها، يعرف أن هذه الأوطان لم تبخل يومًا بالخير، ولم تتأخر عن النجدة، ولم تدخر جهدًا في نصرة الأشقاء، ومدّ يد العون، وبناء الإنسان، وصناعة الأمل.
وفي هذا العيد المبارك، نقول لأهلنا في السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان:
كل عام وأنتم بخير، وكل عام وأنتم عزٌّ للعرب، وحصنٌ للاستقرار، ومنارةٌ للحكمة، وموضع محبةٍ صادقة في قلوبنا.
حفظ الله أوطانكم، وأدام عليكم الأمن والعزة والرخاء، وردّ عنكم كيد المعتدين، وجعل أفراحكم دائمة، وأعيادكم عامرة بالمحبة والسلام.
ولتعلموا دائمًا أن لكم في قلوب الأردنيين مكانةً لا تهزها الظروف، ولا تغيّرها الأيام، لأنها مكانة بُنيت على الوفاء، وصادق المواقف، وجميل الأثر.