facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عيد الفطر السعيد .. إحساس مشروع بالفرحة


فيصل تايه
19-03-2026 10:44 PM

مع النسمات الأولى من صباح العيد، تتجدد فينا معاني الطمأنينة بعد أيام مباركة عشناها في رحاب الطاعة، وتعلو التكبيرات في مشهد يوحد القلوب على الشكر والرجاء ، غير أن هذا العيد يأتي هذا العام محملاً بما هو أكثر من الفرح، وأثقل من أن يختزل في طقوسٍ معتادة أو مظاهر عابرة ، فهو يصل إلينا في لحظة تاريخية فارقة تختلط فيها المشاعر، حيث لا يستطيع الإنسان أن يفصل بين ما يتمناه لنفسه من سكينة، وما يراه من قلقٍ يتسع في محيطه القريب والبعيد .

الأردن، وهو يستقبل هذا العيد السعيد ، لا يعيش خارج سياق إقليمي مضطرب، ولا بمنأى عن تحديات اقتصادية تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية، من كلفة المعيشة إلى هواجس المستقبل ، لكنّه، في الوقت ذاته، لا يفقد تلك القدرة العميقة على التماسك، وكأن في بنيته الإنسانية ما يجعله أكثر ميلاً للصبر من الانكسار، وأكثر إصراراً على الاستمرار مهما تعودت الظروف وتكالبت التحديات.

​ولعلّ ما يمنح هذا العيد طابعه الخاص، هو ذلك التلاقي الصامت والمقدس بين ما في الأرض وما في السماء ، فالأمطار التي هطلت في الأيام الأخيرة لم تكن مجرد حالة جوية عابرة، بل بدت كأنها استجابة خفية لما في القلوب من رجاء، وكأنها تذكيرٌ علويّ بأن دورة الحياة لا تتوقف عند محطات القلق، وأن الخير قد يأتي في لحظة لا يحسب لها حساب ، فقد أعادت هذه الأمطار للأمكنة شيئا من بريقها، وغسلت عن الوجوه بعض ما تراكم عليها من تعب الأيام، فصار للمشهد كله نبرة مختلفة، أقل قسوة، وأكثر ميلاً إلى الطمأنينة ، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الناس استعدادهم للعيد، وتقول لهم بطريقتها الخاصة إن الفرح، مهما تأخر، يجد طريقه حتماً.

​غير أن هذا الفرح، على صدقه، لا يأتي منفصلاً عن الوعي الحاد بما يجري من حولنا ، فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لا يتيح رفاهية الشعور البسيط أو الأحادي، إذ تتداخل فيه الصور، وتتشابك فيه الأخبار، حتى يصبح الإنسان محاطاً بثقل إنساني لا يمكن تجاهله ، من أزمات تضرب المنطقة، إلى مشاهد الألم التي لم تعد بعيدة عن الذاكرة اليومية، يتشكل إدراكٌ عميق بأن العيد ليس تجربة متساوية للجميع، وأن هناك من يستقبله بقلوب مثقلة أو بواقع لا يشبه الفرح في شيء.

​وفي خضمّ هذا الشعور، لا يمكن للعيد في الأردن أن يمرّ دون أن ينحني إجلالاً وإكباراً لرجالٍ قدّموا أرواحهم وهم يواجهون خطراً لا يقل قسوة عن أي تحد آخر ، أولئك الأشاوس الذين استشهدوا وهم يقفون في وجه آفة المخدرات، دفاعاً عن حياض المجتمع وأمنه ومستقبله ، إن استذكارهم في هذه اللحظة ليس حزناً يضاف إلى الحزن، بل هو معنىً سيادي يضاف إلى المعنى ، فهم لم يغيبوا، بل صاروا جزءاً أصيلاً من هذا الأمان الذي نعيشه، وجزءاً من هذا العيد الذي نحاول أن نحفظ له نقاءه ، وفي ذكراهم، يدرك الإنسان أن الفرح الذي نعيشه، مهما بدا بسيطاً ، لم يأت بلا ثمن، وأن هناك من يكتبون استقرار الأوطان بصمت مهيب لا يرى، لكن أثره حاضر في كل تفاصيل حياتنا.

​ومع ذلك، فإن هذه الحقيقة، بكل ثقلها، لا تلغي حق الناس في أن يفرحوا، بل تمنح هذا الفرح معنى أكثر نضجاً وعمقاً ، إذ يصبح "الفرح" فعلاً واعياً، لا هروباً من الواقع، بل تمسكاً بالحياة في وجهه ، في هذا السياق، يبدو العيد في الأردن أقرب إلى حالة إنسانية متكاملة منه إلى مناسبة عابرة؛ فهو يتجلى في تلك اللوحة الفسيفسائية من التكافل التي تظهر وقت الشدائد، حيث يشد الأردني أزر أخيه، وتتجلى قيم "الشهامة والستر" في أبهى صورها ، وهي تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الدلالة: في زيارة تعيد وصل ما انقطع، في يد تمتد لتخفف عن غيرها، في قدرة الناس على أن يتقاسموا ما لديهم "حتى إن كان قليلًا" روح من التضامن الأصيل الذي لم يفقد حضوره أبداً.

​ومع تكبيرات العيد التي ترتفع من المآذن وتنساب في الفضاء العام، يتجاوز الصوت معناه اللفظي ليصبح حالة شعورية جامعة، تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وكل ما حوله ، فهي لا تعلن فقط دخول يوم جديد، بل تذكر بأن هناك ما هو أكبر من القلق، وأوسع من الضيق، وأبقى من كل ما يتغير ، وفي هذه اللحظة تحديداً، يجد الإنسان نفسه أقرب إلى فكرة الطمأنينة، لا بوصفها غياباً للمشكلات، بل بوصفها قدرة فذة على التعايش معها دون أن تفقده توازنه.

​وهكذا، بين سماءٍ أمطرت بما يشبه البشارة، وأرض لا تزال تحمل أثقالها بصمود، يكتب الأردن عيده بصيغة خاصة، لا تدعي الكمال ولا تستسلم للنقص، بل تمضي في منطقة وسطى تجمع بين الواقعية والأمل، بين الاعتراف بالتحديات والإيمان المطلق بإمكانية تجاوزها ، إنه عيد لا ينكر ما حوله، لكنه أيضاً لا يسمح له بأن يسرق معناه ، عيد يشبه الناس هنا، في هدوئه وعمقه، وفي تلك القدرة النادرة على أن يبقى متماسكاً ، حتى وهو يواجه كل هذا العالم.

​وقبل أن أختم، لا بد أن نتذكر أهلنا في فلسطين وكل إخواننا في العروبة، الذين يمرون بصعوبات لا تقل ثقلاً عن تحدياتنا ، ندعو الله أن يمنحهم الطمأنينة، وأن يجعل أيامهم القادمة مليئة بالأمن والسلام، وأن يرفع عنهم كل محنة، ويثبت قلوبهم على الصبر، كما يثبتنا نحن على الوفاء والإنسانية المشتركة.

​اللهم احفظ الأردن للأردنيين ، بقيادته الهاشمية ، وطناً لا ينحني، وقلباً لا ينكسر، وأملاً يبقى قائماً ، مهما اشتد الزمن، واجعل أيامه القادمة أكثر أماناً وطمأنينة، وفرحاً لكل قلبٍ يؤمن بهذا الوطن.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :