في 29 تموز/ يوليو الماضي 2025، رحل شقيقي محمود لروحه الرحمات ولِمعناه الفِداء، أصغر أبناء لبيبة رحمها الله من الذكور، وكان رحل قبلَهُ شقيقاي باجس ورزق رحمهما الله وأكرم نزلهما. أوّل الراحلين من أسرتي الأولى قبل زواجي وتكويني أسرتي الثانية، والدي جميل تغمده الله بواسع رحمته في عام 1988، لحقت به شقيقتي هيجر لروحها الرحمة والسكينة والسلام في عام 2003، ثم جاء دور باجس بالرحيل في عام 2017، والدتي وسنديانتي ومهجة روحي رحلت نهاية العام 2018، رحيلة رحمها الله وأسكنها فسيح جِنانه رحلت في آذار من عام 2020 قبل أن يصبح كورونا هو عنوان العام جميعه والعام الذي تلاه، وفي آذار أيضًا رحل شقيقي رزق في عام 2023، وصولًا إلى العام 2025، عام رحيل شقيقي محمود حيث كُتِبَ لي أن أكون معه لحظة مرتقى الأنفاس في غرفته بالمستشفى الأميركيّ البعيد. حتى في أسرتي الثانية كُتِبَ عليَّ أن أتجرّع مرارة الفقد حين رحل رضيعنا رامي في عام 2004، عن عُمْرٍ لم يتجاوز 42 يومًا، نام بكل براءة الطفولة وعافية الأمل ولم يستيقظ.
لم أكتب "بأيِّ حالٍ" لأنني ودّعتُ على مدى أعوامي الماضية كل هؤلاء الأحبة من أصول ارتباطي بالحياة، بل لأن غزّة ما تزال تتجرّع عواقب الإبادة الجماعية، والأقصى ما يزال حبيسًا لدى أبشع عصابة بمؤازرة أوضع صمت، ولأن أشخاصًا يشبهون ملامحنا، ويلْكنون بحروف لغتنا، ويحملون أسماءنا، وتلفح جباهم شمسنا، يمطروننا كل يوم بأغبى جملة يمكن أن يكتبها، أو ينطقها، أو يفكّر بها عاقلٌ مؤمنٌ حُر: "اللهمّ اضْرب الظّالمين بالظّالمين"!
كل شيء حولي يدعو للقلق، للأسى، للألم، لكن الله سندي، وعدني بأن ينصر عباده المقاومين الذين لم تتِه بوصلتهم، ولا يجرؤ اليأس أن يقترب منهم، وهم في كل أرضٍ تحضنهم ويدافعون عنها وعن بقيةٍ من كرامةٍ ما تزال تجري في عروقنا، علّموني أن الصيحة إياها ليست لتجريب حِبال الصوت، بل لتهزّ أركان هذا العالم الآيل للسقوط، ولتعيد كل يومٍ ضخَّ الدماء في شرايين الصمود: "هيهاتَ مِنَّا الذِّلَّة".
هذا أوّل عيدٍ يا محمود من دون حضورك البهيّ.. هذا أوّل عيدٍ يا رفيق الأيام البعيدة في ذاكرة حارةٍ تائهةٍ بين مخيّمٍ وجبل.. أبكيك كل يوم.. تبكيك حروفي الحزينة.. تبكيك روضة العودة وشجرة التوت وابتسامة الياسمين وحنفية الوضوء وصلوات أمي في هجعات الرضا وخجل الصبايا من قمر وجهك الحالم وخشب الفقر الذي كنت تصنع منه موسيقى.. تبكيك الحياة التي صلتها بطولها وعرضها وتركت بعدك ما لا يموت ولا ينتهي ولا يمسّه النسيان يا حبيبي.
كل عام وأنتم والمقاومة وفلسطين والأحرار بخير.