أخلاقيات الإنسان المسؤول .. اختبار القيم قبل المنصب وبعده
أ.د. مصطفى محمد عيروط
20-03-2026 11:10 PM
ليست المناصب غاية بحد ذاتها، بل هي وسيلة لخدمة الناس وتحقيق الصالح العام. وعندما يتقلّد الإنسان موقعًا قياديًا—في جامعة أو مؤسسة أو وزاره أو أي موقع مسؤولية في قطاع عام أو خاص—فإنه يوقّع، معنويًا، على التزام أخلاقي قبل أن يكون إداريًا. هذا الالتزام لا ينتهي بانتهاء المنصب، بل يبدأ الاختبار الحقيقي له بعد مغادرته.
إن أخلاقيات الإنسان المسؤول تقوم على منظومة من القيم السامية: النزاهة، والعدل، واحترام الآخر، والقدرة على تقبّل التغيير، والإيمان بأن تداول المواقع سنة طبيعية لا تنتقص من قدر الإنسان ولا من تاريخه. فالمسؤول الحقيقي هو من يترك موقعه وقد ترك أثرًا طيبًا وإنجازات ونجاح ، ويغادره بهدوء الكبار، لا بضجيج الصغار.
لكن ما يؤسف له أن بعض من غادروا مواقعهم —يتحول بعضهم إلى أدوات تشويش، يجلدون من جاء بعدهم، ويوجهون الاتهامات، ويبحثون عن الأخطاء أو يصنعونها، في محاولة لتصفية حسابات شخصية أو لإثبات أنهم كانوا الأفضل.
هذا السلوك لا يعكس قوة، بل ضعفًا. ولا يدل على حرص، بل على عجز عن تقبّل الواقع. فالمسؤول الذي يهاجم خلفه بشكل مستمر، ويطوف في المجالس ناقلًا الكلام، ومثيرًا الشبهات، إنما يسيء أولًا إلى نفسه وتاريخه، قبل أن يسيء إلى المؤسسة التي خدمها يومًا. لأن القامات الحقيقية تُعرف بثباتها، لا بانفعالها، وبحكمتها، لا بتسرّعها.
إن المؤسسات عامه او خاصه —لا تُدار بعقلية الثأر، ولا تُبنى على تصفية الحسابات، بل تقوم على التراكم، واحترام الجهود، واستمرارية العمل.
وكل إدارة تأتي تكمل ما قبلها، وتصحح ما تراه، وتضيف بصمتها، وهذا هو النهج الحضاري في العمل المؤسسي
أما من يحاول التشويش، أو بث الإشاعات، أو التأثير السلبي على بيئة العمل بعد خروجه، فهو يضع نفسه خارج إطار المسؤولية الأخلاقية، بل ويشكّل عبئًا على المؤسسة وعلى المجتمع. لأن الكلمة، خاصة عندما تصدر من شخص كان في موقع مسؤولية، لها أثر، وقد تُستخدم لزعزعة الثقة أو لإرباك العمل.
إن المسؤول الحقيقي، إذا غادر موقعه، إما أن يختار الصمت الحكيم، أو النقد الموضوعي البناء عبر القنوات الصحيحة، لا عبر المجالس والهمسات. فالنقد المسؤول شجاعة، أما التشهير والتصيد فضعف.
و تبقى الأخلاق هي العنوان الحقيقي للإنسان، لا المنصب. ومن لا يحافظ على قيمه بعد مغادرته الموقع، فإنه يهدم بيده كل ما بناه خلال سنوات خدمته. فالتاريخ لا يذكر المناصب بقدر ما يذكر المواقف، ولا يخلّد الكراسي بقدر ما يخلّد الأخلاق.
وهنا يكون الحكم: من التزم بالقيم ربح نفسه واحترام الناس، ومن انجرف خلف تصفية الحسابات… كان هو الخاسر الأكبر
للحديث بقية.