facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الكرامة .. من “الهدف موقعي” إلى “سأحمي موقعي”


صالح الشرّاب العبادي
21-03-2026 01:52 PM

عندما تتحول المعركة إلى عقيدة… والعقيدة إلى سيادة

ليست كل المعارك تُقاس بنتائجها…
بعضها يُقاس بما تُغيّره في عقل الدولة.

في الحادي والعشرين من آذار 1968، لم تكن الكرامة مجرد مواجهة على ضفة نهر، بل كانت لحظة إعادة تعريف للمعنى: معنى الأرض، ومعنى الجندي، ومعنى أن تكون دولةً في زمن الانكسار. لم يكن السؤال يومها: من سيتقدم؟ بل كان: من سيكسر منطق ما بعد الهزيمة؟

حين قيلت العبارة — “الهدف موقعي” — لم تكن نداءً نارياً، بل كانت إعلاناً فلسفياً في ساحة قتال.
أن يتحول الجندي إلى إحداثي، فهذا ليس تصعيداً تكتيكياً… بل ارتقاء بالعقيدة إلى حدها الأقصى: حيث تصبح الأرض امتداداً للروح، وحيث لا يعود الموقع مكاناً، بل موقفاً.

الكرامة لم تُربح لأن العدو تراجع، بل لأنها أسقطت الفكرة التي جاء بها: أن هذه الأرض يمكن اختبارها. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأردن مجرد جغرافيا على الخريطة، بل أصبح حدّاً سيادياً لا يُقاس بالمسافة، بل بالإرادة.

لكن العقائد العسكرية لا تبقى في الماضي…
إما أن تتطور، أو تتحول إلى ذكرى.

واليوم، في زمنٍ تغيّرت فيه الحروب، لم يعد العدو يحتاج إلى عبور النهر، ولا إلى حشد الدبابات. يكفيه صاروخ عابر، أو طائرة مسيّرة، أو فوضى تُدفع عبر الحدود دون إعلان حرب. هنا، لا يعود “الموقع” نقطة تماس، بل يصبح مجالاً مفتوحاً… إن لم تُحكم السيطرة عليه.

ومن هنا وُلد التحول الأخطر والأعمق:
لم تعد العقيدة تقول “سأموت في موقعي”… بل تقول:
“سأحمي موقعي قبل أن يُهدد”.

هذا هو الفرق بين جيشٍ يقاتل على الأرض، وجيشٍ يدير المجال.

الدفاع الجوي الأردني اليوم لا ينتظر لحظة الاشتباك، بل يصنعها أو يمنعها. هو ليس سلاحاً رديفاً، بل عقلٌ سيادي يعمل بصمت: يراقب، يحلل، يقرر، ويعترض قبل أن تتحول السماء إلى ثغرة. لم تعد المعركة تُخاض عند حدود الموقع، بل في المسافة التي تفصل التهديد عنه.

وهنا يصبح المعنى أكثر وضوحاً:
في الكرامة، كان الجندي يحمي الأرض بجسده.
أما اليوم، فالدولة تحمي الأرض بمنظومة كاملة من الإدراك والسيطرة والاستباق.

من “الهدف موقعي”
إلى
“سأحمي موقعي”

ليست جملة… بل مسار تاريخي كامل.

في الأولى، كان التهديد واقعاً، والردّ تضحية.
في الثانية، التهديد احتمال، والردّ سيطرة.

وهذا هو جوهر التحول في الردع الأردني:
الانتقال من تحمل الضربة إلى منع وقوعها.

وفي إقليمٍ تتآكل فيه الدول من أطرافها، وتُختبر فيه السيادات عبر الوكلاء والفراغات، يقف الأردن في منطقة مختلفة تماماً: لا يبالغ في القوة، ولا يفرّط بها. لا يذهب إلى الحرب، لكنه لا يسمح لها أن تأتي إليه.

هذه ليست سياسة… هذه هندسة بقاء.

الكرامة لم تعد حدثاً يُستذكر، بل معياراً يُقاس عليه.
فالجندي الذي قال في 1968: “اقصفوا موقعي”…
هو ذاته التي يقول اليوم:
لن أسمح لأحد أن يصل إليه أصلاً.

وبين العبارتين، بُنيت عقيدة كاملة:
أن الموقع ليس حفرة قتال… بل سيادة.
وأن السيادة لا تُدافع عنها عند اللحظة الأخيرة… بل تُحمى قبل أن تُختبر.

لهذا، لا يُفهم الأردن من خلال معركة واحدة،
بل من خلال قدرته على تحويل المعركة إلى قانون دائم.

الكرامة لم تكسر العدو فقط…
بل كسرت فكرة أن هذا الوطن يمكن أن يكون ساحة.

واليوم، بعد عقود، لا يزال الجواب ذاته يُكتب — ولكن بصيغة أكثر هدوءاً وأشد صرامة:

هذا الموقع… لن يكون هدفاً.
لأن هناك من قرر… أن يحميه قبل أن يُستهدف.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :