الكرامة والأم… حين يُكتب المجد بدم الأبطال ويصان بدعاء الأمهات
اللواء المتقاعد محمد سليمان بني ياسين
21-03-2026 02:15 PM
في الحادي والعشرين من آذار، يقف الأردني على مفترقٍ من أعظم المعاني؛ يومٌ تختلط فيه دمعة الفخر بدمعة الحنان، وتتلاقى فيه بندقية الجندي مع دعاء الأم، لتتشكل معادلة الوطن الخالدة: كرامةٌ صُنعت بالتضحية، وحياةٌ حُفظت بدعاء الأمهات.
في ذكرى معركة الكرامة، لا نستحضر حدثًا عسكريًا فحسب، بل نستعيد لحظةً تاريخية أعادت صياغة الوعي الوطني، ورسّخت أن هذا الجيش، الجيش العربي المصطفوي، لا ينكسر، وأن عقيدته القتالية قائمة على الإيمان بالله، والولاء للوطن، والاستعداد للتضحية حتى آخر رمق. لقد كانت الكرامة قرارًا سياديًا شجاعًا، وإرادة قيادة، وبسالة رجال، أثبتوا أن النصر لا يُقاس بحجم القوة، بل بصلابة الموقف، وأن الأرض لا يحميها إلا من يؤمن أنها عرضٌ وكرامة.
وأنا، بلسان ضابطٍ خدم في صفوف هذا الجيش العظيم، أقولها بيقينٍ راسخ: إن الكرامة لم تكن معركةً عابرة، بل كانت إعلانًا أردنيًا مدوّيًا بأن زمن الانكسار قد انتهى، وأن هذا الوطن، بقيادته وجيشه وشعبه، قادرٌ على صناعة الفارق حين تُختبر الإرادة. كانت لحظةً وقف فيها الجندي الأردني ثابتًا كجبل، يُدافع عن شرف الأمة، ويكتب بدمه سطرًا لا يُمحى في سجل التاريخ.
وفي ذات اليوم، نقف أمام معنى لا يقل قداسة… الأم. تلك التي صنعت الرجال قبل أن يصنعوا المجد، وربّت الأبطال قبل أن يحملوا السلاح. هي التي كانت تودّع أبناءها إلى ميادين الشرف بقلبٍ مؤمن، ودمعةٍ صابرة، ودعاءٍ صادق، فتكون شريكةً في كل نصر، وحاضرةً في كل تضحية.
فأيُّ عظمةٍ هذه التي تجمع بين أمٍّ تُربّي على الكرامة، وجنديٍّ يصونها، ووطنٍ يخلّدها؟
إنها صورة الأردن الحقيقية: أمٌ تزرع، وجيشٌ يحمي، ووطنٌ يستحق.
وفي جرش، كما في كل شبرٍ من هذا الوطن، نستحضر هذه المناسبة بروحٍ مضاعفة من الانتماء والوفاء، فنجدّد العهد لشهدائنا بأن تبقى تضحياتهم منارةً نهتدي بها، ونجدّد العزم على أن نبقى على قدر المسؤولية التي كُتبت بدمائهم الطاهرة.
وفي ختام هذا الموقف الوطني الصادق، نرفع أسمى آيات الولاء والانتماء إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدﷲ الثاني ابن الحسين المعظم، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي جسّد بقيادته الحكيمة نهج الكرامة وصون السيادة، وإلى الأسرة الهاشمية التي حملت أمانة التاريخ، وواصلت مسيرة البناء والعزة بثباتٍ لا يلين.
رحم الله شهداءنا الأبرار، وحفظ أمهاتنا اللواتي أنجبن المجد، وحفظ الأردن قويًا عزيزًا، راسخًا كجباله، شامخًا بقيادته الهاشمية وجيشه وشعبه.
وكل عام والأردن في كرامةٍ لا تنحني…
وكل عام وأمهاتنا مصدر القوة والحياة
* رئيس لجنة بلدية جرش الكبرى