ذكرى معركة الكرامة .. حين كانت الأسودُ تربض على الجنبات
محمد مطلب المجالي
21-03-2026 02:24 PM
في الحادي والعشرين من آذار، يقف الأردنيون أمام صفحة مشرقة من تاريخهم الوطني، يوم الكرامة، ذلك اليوم الذي لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة فارقة أعادت للروح العربية ثقتها، وأثبتت أن الإرادة الصلبة قادرة على كسر جبروت القوة مهما تعاظمت.
هناك، على ضفاف نهر الأردن، وعلى السفوح التي تعانق الأرض الطيبة، كانت الأسود تربض على الجنبات، تترقب ساعة المواجهة بثبات الجبال وصمت الواثقين. لم تكن تلك الأسود سوى جنود الجيش العربي الأردني، رجال حملوا الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوا السلاح في أيديهم، فوقفوا على الثغور بعقيدة راسخة لا تعرف التراجع.
في صباح ذلك اليوم، حاولت قوات الاحتلال أن تفرض واقعاً جديداً على الأرض، متكئة على تفوقها العسكري وعدتها الكبيرة، لكنها لم تكن تدرك أنها ستصطدم بإرادة لا تلين، وبجنودٍ لا يرون في الدفاع عن الوطن مهمة عابرة، بل شرفاً وواجباً وميثاقاً لا يُنكث.
كانت المعركة غير متكافئة في ظاهرها، لكن ميزان الكرامة لا يُقاس بعدد الدبابات ولا بكثافة النيران، بل بما يختزنه الرجال من عزيمة وإيمان. وهكذا تقدّم جنود الجيش العربي بثبات، يقاتلون بروح الفداء، حتى تحولت أرض الكرامة إلى ساحة تكتب فيها البطولة بحروف من نور.
وحين انقشع غبار المعركة، كان الأردن قد كتب فصلاً جديداً من فصول المجد، فثبتت الأرض، وارتفعت الرايات، وعاد المعتدي يجرّ أذيال الخيبة، بعدما أدرك أن لهذا الوطن حراساً لا ينامون، وأن الأسود التي تربض على جنباته لا تسمح لأحد أن يعبث بكرامته.
لقد كانت الكرامة درساً بليغاً في معنى السيادة والكرامة الوطنية، ورسالة واضحة بأن هذا الوطن، على صغر مساحته، كبير برجاله، وأن الجيش العربي سيبقى سور الأردن المنيع، يحرس الأرض ويصون العهد.
واليوم، ونحن نستعيد ذكرى الكرامة، فإننا لا نقرأ التاريخ فحسب، بل نستحضر روحاً متجددة من العزة والإباء، روحاً زرعها الشهداء بدمائهم، لتبقى الكرامة علامة مضيئة في ذاكرة الوطن، ومحطة نصر تروي للأجيال أن الأردن إذا نادى الواجب، لبّت الأسود وهي رابضة على الجنبات، تحرس المجد وتصون الكرامة.