الكرامة… عقيدة دولة في شرق أوسط يشتعل
المهندس قصي حرب
21-03-2026 04:00 PM
تمر ذكرى معركة الكرامة كل عام ،لكنها في الوعي الأردني ليست مجرد حدث عسكري من الماضي، بل لحظة تاريخية أعادت صياغة مفهوم السيادة الوطنية، ورسخت في وجدان الدولة أن الدفاع عن الأرض والقرار ليس خياراً، بل عقيدة راسخة.
في الحادي والعشرين من آذار عام 1968، لم تكن المنطقة تعيش ظرفاً عاديا، فقد جاءت المعركة بعد مرحلة من الإحباط العربي الذي أعقب حرب 1967، حيث كان المزاج العام مثقلاً بالهزيمة وفقدان الثقة، لكن ما حدث على أرض الكرامة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل كان إعلاناً واضحاً بأن الإرادة الوطنية قادرة على تغيير المعادلات عندما تتوفر لها القيادة والقرار والشعب.
لقد أثبت الجيش العربي الأردني في تلك المعركة أن قوة الدول لا تقاس فقط بميزان السلاح، بل بصلابة العقيدة القتالية ووحدة الموقف الوطني ، كانت الرسالة واضحة منذ اللحظة الأولى: الأردن ليس ساحة مستباحة، وهذه الأرض لها من يحميها ويصون كرامتها.
لكن الكرامة لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل كانت نقطة تحول سياسية ونفسية في المنطقة، فقد أعادت الثقة للشعوب العربية بإمكانية الصمود والمواجهة، وأكدت أن الإرادة الوطنية قادرة على كسر صورة التفوق المطلق التي حاول الاحتلال فرضها بعد حرب 1967.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على تلك المعركة، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى.
صراعات مفتوحة، تنافس دولي حاد، وأزمات اقتصادية وأمنية تتقاطع في إقليم مضطرب، وفي خضم هذه التحولات، يبقى السؤال المطروح دائماً: كيف استطاع الأردن أن يحافظ على استقراره وسط هذا المشهد المعقد؟
الإجابة لا تكمن فقط في الجغرافيا السياسية، بل في فلسفة الدولة الأردنية نفسها، فالأردن بنى عبر عقود معادلة دقيقة بين الحكمة السياسية والصلابة السيادية، وبين الانفتاح الدبلوماسي والحفاظ على المصالح الوطنية العليا ، وهي المعادلة ذاتها التي جعلته قادراً على عبور أزمات إقليمية كبرى دون أن يفقد توازنه أو استقراره.
إن استحضار ذكرى الكرامة اليوم لا يعني الوقوف عند الماضي بقدر ما يعني قراءة الدروس التي قدمها ذلك اليوم التاريخي ، فالدول التي تعرف كيف تحمي سيادتها في لحظات الخطر، هي الدول القادرة على حماية مستقبلها في أزمنة التحولات.
لقد علمتنا الكرامة أن قوة الأردن لا تكمن فقط في جيشه، رغم ما قدمه من تضحيات بطولية، بل في تماسك جبهته الداخلية، وثقة المواطن بدولته، والالتفاف الوطني حول مؤسسات الدولة وقيادتها.
ولهذا، فإن الكرامة لم تكن معركة انتهت في عام 1968، بل أصبحت جزءاً من هوية الدولة الأردنية ونهجها السياسي ، نهج يقوم على أن السيادة لا تُساوم، وأن استقرار الوطن مسؤولية جماعية، وأن الأردن سيبقى قادراً على الوقوف بثبات في وجه العواصف مهما اشتدت.
فالكرامة لم تكن مجرد يوم في التاريخ…
بل كانت إعلاناً دائماً بأن هذا الوطن يعرف كيف يدافع عن كرامته.