facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحرب في مكان والآثار الاقتصادية في كل مكان


د. غازي العسّاف
22-03-2026 09:33 PM

في عام 2007، أطلق المُفكّر نسيم نيكولاس طالب مفهوماً حديثاً لما يُعرف بـ (البجعة السوداء)، وهو مفهوم يُستخدم ليصف الأحداث التي تجمع ثلاث سمات معاً من الصعب أن تجتمع في حدث واحد، وهي استحالة التنبؤ بها بشكل مُسبق، حجم الأثر الذي يحدث حين تقع، وسهولة تفسيرها بعد وقوعها. وبالنظر الى الحرب على إيران والتي اندلعت نهاية الشهر الماضي فإنه يمكن القول بأنّ ما حدث يستوفي بالفعل هذه السمات الثلاث وبدقة كبيرة، الأمر الذي يجعل هذا الحدث بجعة سوداء بامتياز وبخاصة في طريقة انتقال أثره الاقتصادي عبر قنوات مُتشعبة لا تعمل وفق تسلسل معين بل تعمل بشكل متزامن.

فالمُتتبع للآثار الاقتصادية المترتبة على هذه الحرب يجد بأنه ومنذ الأيام الأولى للحرب، تحرّكت أربع قنوات لهذه التأثيرات وفي آن واحد، قناة الطاقة والتي أدّت الى ارتفاع أسعار النفط الى أكثر من 54٪ وتضاعف في أسعار الغاز المسال 60٪ في غضون ثلاثة أسابيع، وقناة سلاسل الإمداد والتي كشفت أن حوالي 45٪ من صادرات الكبريت العالمي الضروري لصناعة الأسمدة وكميات ضخمة من الهيليوم الضروري لصناعة أشباه الموصلات تمر عبر مضيق هرمز، بالإضافة الى هاتين القناتين للتأثيرات الاقتصادية ظهرت أيضاً قناة الأسواق المالية والتي أظهرت تراجعاً في البورصات العالمية بأكثر من 5٪ وتأثيرات أكثر حدّة في الأسواق المالية الآسيوية خلال الأسبوعين الأخيرين، والتي بدورها أحدثت ضغوطاً على الفدرالي الأمريكي في مواجهة الركود التضخمي الحاصل. في المقابل، القناة الرابعة والأشد صمتاً هي قناة الغذاء، فهناك تحذيرات متزايدة من ارتفاع عالمي في أسعار الأغذية نتيجة تعطّل حركة الأسمدة والحبوب. علاوة على ذلك، ارتفعت تكاليف تأمين السفن بأكثر من 200٪ إضافة الى ارتفاع تكاليف الشحن ذاته نتيجة اضطرابات تحويل مسارات السفن نحو رأس الرجاء الصالح.

السؤال الأبرز اليوم: هل تتوزع الصدمات في قنوات التأثير هذه بالتساوي على المتضررين؟ الإجابة بالتأكيد لا، فدول الخليج العربي والمُعتمدة بشكل أساسي على تصدير الطاقة تتحمل التكلفة الأكبر، على سبيل المثال الكويت وقطر، واللتان تعتمدان بشكل كبير على عوائد هذه الصادرات قد تخسران ما بين 4-14٪ من ناتجها المحلي الإجمالي وحوالي 5٪ و3٪ للإمارات والسعودية على التوالي وبحسب المدة التي قد تمتد خلالها هذه الحرب وفقاً لجولدمان ساكس. حيث تضرّرت مؤخراً منشآت الغاز القطرية مباشرةً وتوقف حوالي 17% من طاقة التصدير العالمية للغاز المسال. في المقابل، فإنّ أوروبا التي لم تُكمل بعد تعافيها من أزمة الطاقة الروسية، تقف على حافة تضخم يتجاوز 4% وتراجع في النمو قد يصل إلى 2.5٪. في حين هرعت عدد من الدول الآسيوية وهي الأكثر والأسرع تضرراً حتى الآن الى اتخاذ إجراءات استثنائية، فاليابان وكوريا الجنوبية تستوردان 90% و70% من نفطهما عبر مضيق هرمز على التوالي، وهو ما اضطر كوريا الجنوبية إلى تفعيل حزمة إنقاذ اقتصادي بقيمة 68 مليار دولار في غضون أيام. أما في عمق آسيا، فقد تحوّل النقص من أزمة أسعار إلى أزمة توفر، حيث بدأت الهند بإجراءات تقنين استخدامات الغاز على المصانع، في حين أغلقت باكستان عدد من مدارسها لمدة أسبوعين، فيما أعادت سريلانكا تفعيل أسبوع العمل الرباعي الحكومي وتقنين الاستخدام الذي طوت صفحته منذ 2022.

وفي خضم كل هذه الأحداث وتطوراتها المتسارعة، تُظهر عدد من التقارير الدولية المنشورة مؤخراً ثلاثة مسارات تنبؤية لما هو متوقع: المسار الأول، وهو بالطبع الأكثر تفاؤلاً في افتراضه حرباً قصيرة لا تتجاوز أربعة أسابيع تعود فيها أسعار برنت تدريجياً الى حدود 65-75 دولار مع نهاية العام مع تأثيرات محدودة على النمو الاقتصادي العالمي لا يتجاوز 0.2٪. في حين يُظهر المسار الثاني والذي يتوقع حرباً تمتد لثلاثة أشهر ارتفاعاً متوقعاً في أسعار النفط الى حوالي 120-150 دولار للبرميل مع تراجع للنمو الاقتصادي العالمي بحوالي 0.5٪ وحدوث تضخم وبخاصة في أوروبا بحوالي 3٪. أما المسار الثالث وهو الأسوأ والذي قد تمتد فيه الحرب الى ستة أشهر وأكثر الأمر الذي من المتوقع أن يؤدي الى حالة من الركود التضخمي العالمي حيث قد يصل سعر النفط الى حوالي 200 دولار وتتراجع معدلات النمو الاقتصادي بحوالي 1.3٪ مع نهاية عام 2026 وفقاً لنماذج الاحتياطي الفدرالي في دالاس.

في المُحصّلة، لا يهمنا كثيراً أي من هذه المسارات سيتحقق، ما يهمّنا اليوم هو أنّ ما تكشفه هذه الأرقام مجتمعةً يتجاوز بكثير دلالاتها الاقتصادية المباشرة؛ فهي تُعرّي حقيقةً بنيوية طالما أحجم صانعو السياسات عن مواجهتها، هذه الحقيقة تتمثل في أن منظومة العولمة الاقتصادية التي تم بناؤها على مدى عقود قد نسجت شبكة من الترابطات الهشّة، جعلت حادثةً واحدة في مضيق بعرض ثلاثين ميلاً كفيلةً بزعزعة أسواق الطاقة والغذاء والتكنولوجيا في القارات الخمس. وهذا بالضبط هو الدرس الذي لا تُعلّمه البجعة السوداء مرتين لمن يتعلّم منها؛ فالسؤال اليوم لم يعد حول متى تنتهي هذه الحرب، بل السؤال الأهم حول إذا كانت الأنظمة الاقتصادية والسياسية الدولية ستخرج منها وقد أعادت بناء مرونتها الهيكلية، أم أنها ستكتفي مجدداً بالانتظار حتى تحطّ البجعة التالية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :