حين يصرخ الصمت: أزمة الأمراض النفسية وظاهرة الانتحار بين الطلاب
لانا ارناؤوط
22-03-2026 11:09 PM
في السنوات الأخيرة، لم تعد الأزمات النفسية حكايات تُروى في الخفاء، بل أصبحت واقعًا مؤلمًا يتسلل إلى بيوتنا ومدارسنا، ويأخذ منّا أبناءً في عمر الورد لم يعد الحديث عن الاكتئاب أو القلق أو حتى الانتحار أمرًا بعيدًا أو نادرًا، بل صار قريبًا، مخيفًا، وصادمًا في آنٍ واحد والأصعب من ذلك أن كثيرًا من هذه الحالات تحدث بصمت… دون أن ينتبه أحد.
كيف يمكن لشاب أو طالبة، محاطين بأسرة، وأصدقاء، ومدرسة، أن يصلوا إلى لحظة يشعرون فيها أن الحياة لم تعد تُحتمل؟ هل هو تقصير من الأهل؟ أم تأثير السوشال ميديا؟ أم غياب المتابعة من الجهات المختصة؟
الحقيقة المؤلمة أن الأزمة ليست سببًا واحدًا… بل شبكة معقدة من العوامل التي تتشابك بصمت حتى تنفجر.
في قلب هذه الأزمة، يقف الطالب اليوم في مواجهة ضغوط غير مسبوقة ضغط النجاح الأكاديمي، الخوف من الفشل، المقارنة المستمرة مع الآخرين، والشعور بأنه يجب أن يكون “مثاليًا” طوال الوقت ومع دخول وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح هذا الضغط مضاعفًا هناك، حيث تُعرض الحياة بشكل مثالي مزيف، يشعر كثير من الشباب أنهم أقل، أضعف، أو غير كافين صورة واحدة، تعليق، أو حتى تجاهل، قد يهز ثقة شاب بنفسه بشكل عميق.
لكن هل السوشال ميديا وحدها هي السبب؟ بالتأكيد لا هناك فجوة عاطفية تتسع بين الأهل والأبناء كثير من الأسر تظن أن توفير الاحتياجات المادية يكفي، بينما يغيب الحوار الحقيقي، والاستماع، والاحتواء قد يعيش الشاب في نفس البيت مع أسرته، لكنه يشعر بوحدة قاسية، لا يجد فيها من يفهمه دون حكم أو نقد.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل دور المؤسسات التعليمية والصحية في كثير من الأحيان، لا توجد برامج حقيقية للكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية، ولا يوجد مختصون قادرون على متابعة الطلاب بشكل جدي يتم التعامل مع السلوكيات المقلقة على أنها “مرحلة وستمر”، بينما تكون في الحقيقة نداء استغاثة.
الخطير في هذه الأزمة أن الانتحار لا يأتي دائمًا بعد مؤشرات واضحة أحيانًا، يبتسم الشاب، ينجح، ويتفاعل بشكل طبيعي، بينما داخله ينهار بصمت لذلك، فإن فكرة “الرقابة” وحدها لا تكفي نحن لا نحتاج فقط إلى مراقبة، بل إلى فهم عميق، ووعي حقيقي، وعلاقة قائمة على الثقة.
إذًا، هل نحن أمام تقصير من الأهل؟ أم تأثير السوشال ميديا؟ أم ضعف المؤسسات؟
الإجابة الصادقة: نحن أمام مسؤولية مشتركة.
الأهل بحاجة إلى إعادة بناء جسور التواصل مع أبنائهم، ليس عبر الأسئلة التقليدية، بل عبر حضور حقيقي، استماع دون مقاطعة، واحتواء دون إصدار أحكام ، المدارس والجامعات بحاجة إلى دمج الصحة النفسية كجزء أساسي من العملية التعليمية، من خلال وجود مرشدين متخصصين، وبرامج توعوية مستمرة.
أما الجهات الصحية، فعليها أن تقترب أكثر من الناس، أن تجعل خدمات الدعم النفسي متاحة، سهلة، وخالية من الوصمة.
أما السوشال ميديا، فلا يمكن إلغاؤها، لكن يمكن تعليم الشباب كيف يستخدمونها بوعي، وكيف يميزون بين الواقع والوهم، وكيف يحافظون على تقديرهم لذاتهم بعيدًا عن المقارنات القاتلة.
الحلول ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إرادة ووعي ، نحتاج أن نعلّم أبناءنا أن التعب النفسي ليس ضعفًا، وأن طلب المساعدة شجاعة، لا عيبًا نحتاج أن نخلق مساحات آمنة للحوار، في البيت، في المدرسة، وفي المجتمع.
نحتاج أن ننتبه للتفاصيل الصغيرة: تغير في السلوك، انعزال، صمت مفاجئ، أو حتى ضحك مبالغ فيه
وربما أهم ما نحتاجه هو أن نعيد للإنسان قيمته، بعيدًا عن الدرجات، والمظاهر، وعدد المتابعين.
هذه ليست أزمة “طلاب” فقط… هذه أزمة مجتمع ، وكل تأخير في مواجهتها، قد يكلفنا حياة جديدة.
فلننتبه… قبل أن يتحول الصمت إلى فاجعة.