لماذا لا تتعلم الولايات المتحدة من أخطائها؟!
أ.د أحمد بطَّاح
23-03-2026 03:26 PM
إنّ مما لا شك فيه أنّ الولايات المتحدة دولة عظمى، بل إنها الدولة الأعظم في العالم اليوم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في عام 1991، وبرغم ظهور أقطاب جديدة واعدة ما زالت الولايات المتحدة تتربع على عرش العالم فهي تملك (6000) رأس نووي استراتيجي، ولها (800) قاعدة عسكرية منتشرة في أرجاء المعمورة، ويشكل اقتصادها ربع الاقتصاد العالمي.
ولكن...، وللأسف فإنّ ما أصاب الإمبراطوريات السابقة أصاب الولايات المتحدة ونعني بذلك "الغرور" وتجاهل حقيقة أن "للقوة حدوداً"، و"الاستخفاف بإرادة الشعوب" وقدرتها على التصدي لأعتى القوى عندما يتعلق الأمر بوجودها، وكرامتها، وموقعها من التاريخ.
ولكي ندلّل على ما نقول فإنّنا نكتفي بالإشارة إلى أربع محطات تاريخية كَبَتْ فيه الولايات المتحدة ووقعت فيما وقعت فيه الإمبراطوريات الكبرى قبلها:
أولاً: الحرب الفيتنامية (1955 – 1975) فرغم بعدها آلاف الأميال عن فيتنام اعتبرت الولايات المتحدة أن الدفاع عن "فيتنام الجنوبية" جزء من الدفاع عن أمنها القومي وخاضت حرباً شرسة استعملت فيها كل أصناف الأسلحة ضد فيتنام الشمالية ولكنها في النهاية خسرت الحرب (58 ألف قتيل و190 مليار دولار) حيث سقطت حليفتها فيتنام الجنوبية (عاصمتها سايغون تُسمى الآن باسم هو تشي منه رئيس فيتنام الشمالية المنتصرة)، والواقع أن الولايات المتحدة لم تخسر الحرب غير العادلة التي خاضتها ضد فيتنام الشمالية فقط، بل خسرت ثقة شعبها حيث تظاهر آلاف الأمريكيين ضد الحرب، وكان يُفترض أن يكون الدرس الفيتنامي درساً قاسياً تتعلم منه الولايات المتحدة أنّ "للقوة حدوداً"، وأنّ الشعب الفيتنامي الذي هزم الإمبراطورية الفرنسية في معركة "ديان بيان فو" (1954) قادر بإرادته وإيمانه بحقه أن يهزم الإمبراطورية الأمريكية التي كانت تريد أن تثبت موقعها كقوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945).
ثانياً: الحرب الأفغانية (2001 – 2021) فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 غزت الولايات المتحدة أفغانستان وأسقطت حركة "طالبان" التي تحكمها ولكنها بدلاً من أن تترك البلاد لأهلها نصّبت بعض عملائها (قرضاي وبعده أشرف غني)، واستعانت بعد ذلك بقوات حلف الأطلسي، وبعد عشرين سنة تقريباً من التدخل الأمريكي ثم الأمريكي الأطلسي، اضطرت القوات الأمريكية (بعد مقتل 40 ألف جندي، وتريلينوي دولار) إلى الانسحاب انسحاباً مُهيناً (ما زال ترامب يعيّر به بايدن)، ونجحت حركة طالبان في العودة إلى الحكم، الأمر الذي شكل للولايات المتحدة درساً قاسياً ثانياً كان يجب أن تتعلم منه حقيقة أن إرادة الشعوب لا تُقهر مصداقاً لقول الشاعر التونسي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة .... فلا بد أن يستجيب القدر.
ثالثاً: الغزو الأمريكي للعراق (2003)، فقد تعللت الولايات المتحدة بوجود أسلحة دمار شامل في العراق (رغم تأكيدات الفرق الدولية المحايدة بعدم وجودها) وقامت بغزو العراق وحلّ جيشه الوطني متسببةً بمآسٍ حقيقية للشعب العراقي، وقد كانت نتيجة هذه "الغزوة" للولايات المتحدة خسارة أكثر من (4000) جندي، وتريليوني دولار، فضلاً عن أنها تركت البلاد تحت نظام حكم يقوم على المُحاصصة الطائفية، تمارس فيه إيران نفوذاً لا يقل عن نفوذ الولايات المتحدة، ولعلّ الغزو الأمريكي للعراق بالذات هو الذي خلّف نوعاً من الوعي لدى شرائح واسعة من الشعب الأمريكي التي لم تعد تريد أن تنخرط بلادهم في حروب خارجية ولعلّ أبرز هذه الشرائح حركة ماجا (Make America Great Again) التي تريد أن تجعل أمريكا عظيمة مرةً أخرى والتي كانت في الواقع القاعدة الأساسية لإعادة انتخاب دونالد ترامب لولاية أخرى.
رابعاً: الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ففي خضم المفاوضات التي كان يمكن أن تتمخّض عن حل دبلوماسي لموضوع "المشروع النووي الإيراني" كما أشار راعي المفاوضات وزير الخارجية العماني قامت الولايات المتحدة بتحريض من نتنياهو بهجوم واسع على إيران، والطريف في الأمر أنّ ترامب تقدم بطلبات غريبة تنُم عن عدم فهم للثقافة الإيرانية (بغض النظر عن طبيعة الحكم القائم فيها) فقد طالبها بأن يكون له رأي في اختيار المرشد الجديد (بعد قتل مرشدها السابق علي خامنئي)، كما طالبها بالاستسلام غير المشروط (Unconditional Surrender) وهو ما أشرنا إليه سابقاً من "غرور القوة" الذي يسيطر على بعض الإمبراطوريات أحياناً فكيف يسمح بلد مثل إيران مساحته (1,600,000 كم2) وعدد سكانه أكثر من (90) مليون نسمة بأن يتدخل رئيس دولة أجنبية باختيار حاكمه؟ وكيف يطالب ترامب استسلام غير مشروط ويريد بذلك أن يذل أمةً كبيرةً ذات ماضٍ إمبراطوري معروف واستطاعت ذات يوم أن تسيطر على معظم انحاء الشرق الأوسط؟
أن ما سبق ليس دفاعاً عن النظام الإيراني فهو نظام ثيوقراطي (ديني – طائفي ذي مرجعية شيعية اثنى عشرية تحديداً) اعتدى على الدول العربية المجاورة وغير المجاورة وخلق له نفوذاً غير مشروع في أربع دول عربية (العراق، لبنان، سوريا، اليمن) وأهدر كثيراً من موارده على برامج التسليح والنفوذ على حساب احتياجات الشعب الإيراني، ولكن ما أريد أن أشير إليه هو تهور ساسة الولايات المتحدة، واغترارهم بقوتها، وتنكرهم لحقيقة "أنّ للقوة حدوداً"، واستخفافهم بإرادة الشعوب وحقها في الحياة، والكرامة، والاستقلال.