مشهد الحرب المستعرة في إقليمنا يزداد تعقيدا، وتسارعه يبعث على القلق، وقد يدفع المنطقة إلى ما هو أبعد وأخطر
وفي خضم هذه التطورات المتلاحقة، كان الأولى أن تتجه الجهود نحو الالتفاف على الوطن وتحصينه، إلا أن بعض الأصوات خرجت من بيننا ومن صفنا لتدفع النقاش نحو الداخل، وتزيد من حدة السجال بصورة قد تربك الأولويات وتبعدنا عن جوهر ما تفرضه هذه المرحلة وفي وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الهدوء والتماسك
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوقف بهدوء وإعادة قراءة المشهد بعين وطنية جامعة تضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار بعيدا عن الانفعال أو الاندفاع
الأردن دولة لها تاريخها ومكانتها ولها موقعها الحساس في الإقليم وتدرك بحكم خبرتها وتعقيد بيئتها السياسية والديمغرافية أن أي انزلاق غير محسوب قد يكلفها الكثير ولذلك كان موقفها دائمًا قائما على حماية أرضها وسمائها وشعبها والحفاظ على استقرارها الداخلي
ما يجري في الإقليم صراع معقد، لكل طرف فيه حساباته ومشاريعه، وهي في كثير من جوانبها لا تنسجم مع ثوابت الأردن ولا مع مصالحه العليا، ومن هنا فإن إدخال الأردن في هذه المواجهات أو الزج به في مساراتها لا يخدمه، بل يضعه في دائرة مخاطر لا ضرورة لها
ومن حق أي دولة أن تحمي حدودها ومجالها، وهذا ليس اصطفافا مع طرف ضد آخر، بل هو تعبير طبيعي عن سيادة الدولة وحرصها على أمن شعبها واستقرارها
وفي المقابل فإن ما يستدعي الانتباه اليوم هو حالة السجال الداخلي التي بدأت تتسع، وما قد تحمله من انقسام في الرأي، أو تشتيت للانتباه عن الأولويات الحقيقية، فالوطن في هذه المرحلة أحوج ما يكون إلى التماسك، وإلى خطاب هادئ يجمع ولا يفرق، ويوجه ولا يشتت
إن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي، بل هو صحي حين يكون منضبطا، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى تشكيك أو تخوين أو انقسام، أو عندما يُستغل ليصبح مدخلا لإضعاف الجبهة الداخلية
وهنا تكمن الخطورة، فالجبهات لا تُفتح دائما من الخارج بل قد تبدأ من الداخل حين يعلو السجال وتضيع البوصلة، ويتراجع التركيز عن مصلحة الوطن لصالح اصطفافات لا تخدمه
الأردن اليوم بحاجة إلى وعي جمعي يدرك دقة المرحلة ويضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويحافظ على وحدته وتماسكه، لأن قوة أي دولة تبدأ من داخلها، من ثقة شعبها، ومن تماسك نسيجها الاجتماعي
كما أن ما يحيط بنا من تحديات يستدعي قراءة هادئة ومتزنة، لا تنجر خلف العواطف وحدها، بل تنظر إلى الواقع كما هو، وتفهم أن لكل دولة أولوياتها وحدودها التي لا يمكن تجاوزها
ووفق هذا فإن حماية الأردن لأرضه وسمائه وشعبه هو واجب طبيعي، وقرار يعكس حرص الدولة على عدم الانزلاق إلى صراعات لا تخدم مصالحها
وفي ظل كل ذلك، يبقى الأهم هو الحفاظ على الجبهة الداخلية، وعلى حالة من الوعي والهدوء، تمنع الانقسام، وتُبقي النقاش ضمن إطار المسؤولية الوطنية
فالوطن ليس ساحة سجال، ولا ميدانا لتصفية الحسابات، بل هو مساحة جامعة تتسع للجميع، وتحمي الجميع
والمرحلة تتطلب أن نكون أكثر قربا من بعضنا، وأكثر حرصا على وحدتنا، وأن نضع نصب أعيننا أن استقرار الأردن هو الأساس، وأن أي خلل في هذا الاستقرار ينعكس على الجميع دون استثناء
وفي النهاية تبقى القاعدة التي لا خلاف عليها أن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وأن الحفاظ عليه مسؤولية مشتركة، تتطلب وعيا عاليا وهدوءا وحكمة في القول والموقف