النقاش الدائر اليوم بين أبناء الوطن خرج عن إطاره الطبيعي ولم يعد نقاشاً في مفهوم الوطنية والانتماء ، بل تحوّل إلى صراع مواقف وتفسيرات متباينة للأحداث الإقليمية ، وهذه ليست مشكلة بحد ذاتها ، لكن الخطورة تبدأ حين يتم خلط المواقف السياسية بالولاء الوطني ، وهو خلط غير مشروع لا سياسياً ولا دستورياً ....
هناك حقيقة يجب تثبيتها دون مواربة مفادها بأن رفض تهديدات إيران تجاه الأردن أو أي دولة عربية لا يُعد اصطفافاً مع الكيان المحتل ،، كما أن اعتبار التهديدات الصادرة عن الكيان خطراً على المنطقة لا يُبرر التساهل مع أي تهديد يمس سيادة الأردن ....
إن مثل هذا التوازن ليس ترفاً فكرياً ، بل هو جوهر الموقف السيادي الرشيد ،، فالدولة وفقًا لمبادئ السيادة في القانون الدولي والدستور ملزمة أولاً وأخيراً بحماية إقليمها ومجالها الجوي وحدودها ، وهذا ليس خياراً سياسياً قابلًا للنقاش الشعبي ، بل إنه واجب قانوني تحتكره السلطة التنفيذية وتنفذه القوات المسلحة ، وأي محاولة لتأويل هذا الدور أو التشكيك فيه يعد إخلالاً بفهم أساسي لطبيعة الدولة ووظائفها ....
المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف الآراء ، بل في الانزلاق نحو خطاب التخوين أو التبعية ، وهو خطاب يعكس فشلاً في إدارة النقاش العام ، ويكشف فراغاً في الخطاب الرسمي الذي كان يفترض به أن يضع إطاراً واضحاً للرأي العام ، لا أن يتركه فريسة للاستقطاب ....
الأردن أعلن بوضوح أنه ليس طرفاً في هذه الحرب ، وهذا الموقف يجب أن يُقرأ كما هو بأنه حياد سيادي قائم على حماية المصلحة الوطنية لا على المجاملة ولا على الاصطفاف ، والدفاع عن الأجواء والحدود ليس تدخلاً في الحرب ، بل منع لامتدادها إلى الداخل ، وهو جوهر مفهوم الأمن الوطني ....
خلاصة القول بأن تماسك الجبهة الداخلية ليس شعاراً ، بل ضرورة وجودية ، وأي خطاب يضعف هذا التماسك (سواء عبر المزاودة أو التخوين أو التبعية) هو خطاب يخدم نتائج لا تصب في مصلحة الدولة ،، فالاختلاف مشروع ، ولكن العبث بثوابت السيادة ليس كذلك ....
والله المستعان..