في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، واحتمالية امتداد أمد الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبرز تحديات حقيقية أمام قطاع الطاقة في الأردن، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد الوقود لتوليد الكهرباء. وفي مثل هذه الأوضاع، لا تقتصر المسؤولية على الحكومة وحدها، بل تمتد لتشمل المواطنين والمؤسسات كافة، في إطار شراكة وطنية تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وترشيد الاستهلاك لمواجهة أي تطورات قد تؤثر على استقرار الإمدادات.
تبدأ المسؤولية من الجانب الحكومي، حيث يمكن اتخاذ جملة من الإجراءات التي تسهم في خفض الطلب على الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد. ومن أبرز هذه الإجراءات التوسع في تطبيق نظام الدوام عن بُعد للدوائر الرسمية والمؤسسات العامة، إضافة إلى تشجيع القطاع الخاص على اعتماد هذا النمط كلما أمكن، لما له من أثر مباشر في تقليل استهلاك الطاقة المرتبط بالنقل والتشغيل داخل المباني. كما يمكن للحكومة دراسة تطبيق نظام الدوام لأربعة أيام أسبوعياً خلال المرحلة الحالية، كإجراء مؤقت يهدف إلى تقليل النفقات التشغيلية وتخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية.
ومن الأدوات الفعالة التي يمكن تبنيها أيضاً، تطبيق التعرفة الكهربائية المرتبطة بالزمن (Time-of-Use Tariff) على المشتركين المنزليين، بحيث يتم تحفيز المستهلكين على تحويل استهلاكهم إلى خارج أوقات الذروة. ويكتسب هذا الإجراء أهمية خاصة في الأردن، حيث تتوافر الطاقة الشمسية بكثرة خلال ساعات النهار، ما يتيح فرصة لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وخفض كلفة التوليد.
وفي سياق تعزيز أمن التزود بالطاقة، يمكن للحكومة التركيز على تنويع مصادر استيراد الوقود، مع إعطاء أولوية للاستيراد من دول قريبة مثل السعودية والعراق، والاستفادة من إمكانيات النقل البري، خاصة أسطول الصهاريج الذي كان يُستخدم سابقاً لنقل النفط العراقي. إن مثل هذه الخطوة تسهم في تقليل المخاطر اللوجستية المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، وتعزز قدرة المملكة على مواجهة أي اضطرابات محتملة.
في المقابل، تقع على عاتق المواطنين مسؤولية لا تقل أهمية، حيث يمكن للإجراءات الفردية أن تُحدث فرقاً ملموساً عند الالتزام بها بشكل جماعي. ومن أهم هذه الإجراءات، إعادة تنظيم أوقات استهلاك الكهرباء بحيث يتم التركيز على الفترة النهارية بين الساعة الثامنة صباحاً والرابعة عصراً، حيث تكون الطاقة الشمسية في ذروتها، وكذلك خلال ساعات الليل المتأخرة من الحادية عشرة مساءً حتى الثامنة صباحاً، لتجنب الضغط على الشبكة في أوقات الذروة.
كما يُعد ترشيد الإنارة الخارجية من الخطوات البسيطة والفعالة، إذ يمكن الاستغناء عن جزء كبير منها دون التأثير على الاحتياجات الأساسية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية. وينطبق الأمر ذاته على الأجهزة الكهربائية غير الضرورية، مثل الجلايات وأجهزة تصفيف الشعر، أو الاستخدام المفرط لسخانات المياه، حيث يُنصح بالاعتماد قدر الإمكان على أنظمة التسخين الشمسي وتقليل التشغيل الكهربائي إلى الحد الأدنى.
ومن الإجراءات المهمة أيضاً، تجنب استخدام أجهزة التدفئة الكهربائية ذات الاستهلاك العالي، مثل الدفايات الزيتية، خاصة خلال فترات البرد، واستبدالها ببدائل أكثر كفاءة مثل الغاز أو أنظمة التدفئة الحديثة ذات الاستهلاك المنخفض. كما يُنصح بضبط أجهزة التكييف على درجة حرارة معتدلة (24 درجة مئوية)، وضبط سخانات المياه، بما فيها الشمسية، على نحو 55 درجة مئوية، لتحقيق التوازن بين الراحة وكفاءة استهلاك الطاقة.
وإلى جانب هذه الإجراءات، يمكن تعزيز ثقافة الترشيد من خلال نشر الوعي المجتمعي، وإدخال برامج تعليمية وإعلامية تُبرز أهمية الاستخدام الأمثل للطاقة، وتشجع على تبني سلوكيات مستدامة. كما يمكن تحفيز المواطنين على استخدام الأجهزة الموفرة للطاقة (ذات الكفاءة العالية)، واستبدال الإنارة التقليدية بمصابيح LED، إضافة إلى تشجيع تركيب أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية حيثما أمكن.
في المحصلة، إن الالتزام المشترك من قبل الحكومة والمواطنين بإجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء من شأنه أن يسهم بشكل كبير في تقليل استهلاك الوقود المستخدم في التوليد، وبالتالي خفض كلفة الطاقة على المستوى الوطني، وتعزيز قدرة الأردن على مواجهة التحديات الإقليمية بثبات وكفاءة. إن هذه المرحلة تتطلب وعياً جماعياً وإحساساً عالياً بالمسؤولية، حيث يصبح ترشيد الطاقة واجباً وطنياً يسهم في حماية الاقتصاد وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
والله من وراء القصد