أمن الطاقة في ظل اضطراب عالمي
أ. د. هاني الضمور
24-03-2026 04:26 PM
* مقاربة اقتصادية استراتيجية للتحوّط لا للمواجهة
في لحظات التحول الكبرى في النظام الدولي، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على الإنتاج، بل بمرونتها في إدارة الصدمات. ومع تصاعد التوترات ذات الطابع شبه العالمي، سواء في سياق التنافس بين إيران وإسرائيل، أو ما قد ينعكس على ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، فإن مشهد الطاقة لم يعد مجرد سوق يتقلب، بل بات ساحة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد الكلي.
ضمن هذا السياق، يصبح من الضروري قراءة ملف الطاقة في الأردن بوصفه جزءًا من معادلة أوسع، حيث تتجه الأسواق نحو مزيد من عدم اليقين، وتتزايد احتمالات تشكل صدمات متزامنة في العرض والتكلفة. فالعالم اليوم لا يواجه أزمة تقليدية في الأسعار فحسب، بل يقف أمام احتمالات اضطراب هيكلي في تدفقات الطاقة، قد يعيد تشكيل موازين الكلفة والإنتاج على مستوى دولي.
من منظور اقتصادي استراتيجي، لا يكون السؤال المركزي: كيف نتجنب الأزمة؟ بل: كيف نقلل كلفتها حين تقع؟ وهنا، تتحول إدارة الطاقة من ملف تشغيلي إلى أداة لضبط التوازنات الاقتصادية. فكل ارتفاع في كلفة الطاقة ينعكس مباشرة على مستويات التضخم، وعلى تنافسية القطاعات الإنتاجية، وعلى القدرة الشرائية للأفراد. وبالتالي، فإن أي سياسة رشيدة يجب أن تنطلق من فهم الترابط العميق بين الطاقة والنمو والاستقرار المالي.
في هذا الإطار، تبرز إدارة الطلب كأحد أهم الأدوات الاقتصادية غير المباشرة. فبدل الانخراط في سباق مكلف لتأمين الإمدادات في ظروف مضطربة، يمكن تخفيف الضغط على الاقتصاد عبر إعادة تنظيم أنماط الاستهلاك. هذا لا يعني تقليص النشاط الاقتصادي، بل إعادة توزيعه زمانيًا ومكانيًا بما يحقق كفاءة أعلى في استخدام الموارد.
عندما يُعاد النظر في أنماط العمل والتعليم، لا ينبغي فهم ذلك كإجراء تقشفي، بل كإعادة هيكلة جزئية لاقتصاد الوقت. تقليل التنقل، على سبيل المثال، لا يخفض فقط استهلاك الوقود، بل يقلل أيضًا من الكلف غير المباشرة المرتبطة بالازدحام والإنتاجية. وكذلك فإن تخفيف الضغط على المباني كثيفة الاستهلاك للطاقة ينعكس إيجابًا على استقرار الشبكات الكهربائية، ويحد من الحاجة إلى استثمارات طارئة مكلفة.
النهج الأكثر فاعلية في مثل هذه الظروف هو النهج التدريجي، الذي يسمح للاقتصاد بالتكيف دون صدمات. فالإجراءات الحادة قد توفر وفورات سريعة، لكنها غالبًا ما تحمل كلفًا جانبية على الإنتاج وسوق العمل. أما المقاربة المرنة، فتمكّن من تحقيق توازن بين خفض الاستهلاك والحفاظ على النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد العالمي للمسألة. فالدول التي تستثمر في تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الكفاءة، لا تحصّن نفسها فقط ضد الأزمات، بل تعيد تموضعها في الاقتصاد الدولي. والأردن، بما يمتلكه من إمكانات في الطاقة المتجددة، يقف أمام فرصة لتعزيز استقلاله النسبي، وتقليل تعرضه لتقلبات الأسواق العالمية.
غير أن التحوّط الاقتصادي لا يكتمل دون شراكة مجتمعية. فالسلوك الاستهلاكي، حين يتسم بالعقلانية، يصبح عنصرًا داعمًا للاستقرار الكلي. وكل خفض في الهدر، مهما بدا محدودًا، يتراكم ليخفف الضغط على الميزان التجاري، ويعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات.
في المحصلة، لا تعني التوترات ذات الطابع العالمي أن الاقتصادات الصغيرة محكومة بالهشاشة، بل تعني أن أمامها فرصة لإعادة ضبط أولوياتها. فإدارة الطاقة، حين تُفهم ضمن إطار استراتيجي، تتحول من عبء إلى أداة، ومن مصدر قلق إلى مجال لتعزيز المرونة.
وبين عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد، واقتصاد يسعى إلى الحفاظ على توازنه، يبقى التحوّط العقلاني هو الخيار الأكثر كفاءة؛ لا باعتباره رد فعل على أزمة، بل كنهج دائم لإدارة المستقبل في زمن تتسارع فيه المتغيرات.