facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




روبنسون وماتسوكاتو في عمان


د. يوسف منصور
26-03-2026 12:11 AM

بعيداً عن الأزمات الراهنة والاضطرابات في المنطقة، والتي يُرجّح أن تنحسر قريباً دون أن تُلحق ضرراً يُذكر بالأردن، أتناول في هذا المقال تصوراً افتراضياً لزيارة تقوم بها اقتصاديتان بارزتان إلى المملكة، مستحضراً خلاله بعضاً من أشهر مقولاتهما لتسليط الضوء على قراءة مختلفة للاقتصاد الأردني.

تخيل أن اثنتين من أبرز العقول الاقتصادية، جوان روبنسونمن مواليد 1903 وماريانا ماتسوكاتو من مواليد 1968، وصلتا إلى عمّان، وجلستا معاً لتقييم الاقتصاد الأردني.الأولى، اقتصادية مهمة راحلة من جامعة كامبريدج وناقدة حادة للأسواق غير التنافسية تؤمن بأن الاقتصاد يجب أن يُفهم كما هو، لا كما تفترضه النماذج.والثانية، من أبرز الاقتصاديين المعاصرين، وهي أحد أهم من أعادوا تعريف دور الدولة باعتبارها صانعة للقيمة، لا مجرد مُنظِّم أو مُصحّح.

لو اجتمعت جوان روبنسون وماريانا ماتسوكاتو في عمّان،فلن يكون النقاش حول الأرقام فقط، بل حول:كيف يعمل الاقتصاد فعلياً، وكيف تُخلق القيمة المضافة، وكيف يمكن للدولة والسوق معاً أن يبنيا اقتصاداً أكثر إنتاجية واستدامة.

ماذا كانتا ستقولان؟ستبدأ روبنسون الحديث، بنبرتها النقدية المعهودة، قائلة عبارتها الشهيرة: "الهدف من دراسة الاقتصاد ليس الحصول على إجابات جاهزة، بل أن نتعلم كيف لا ننخدع بالاقتصاديين." ثم ستنظر إلى المؤشرات الاقتصادية الأردنية، وتسأل سؤالاً بسيطاً (لكنه حاد): "هل هذا الاقتصاد يعكس ما تقوله النماذج… أم أن النماذج هي التي تتجاهل واقعه؟"

ستبدأ جوان روبنسون بالسؤال الذي كانت تحبه دائماً:"هل هذا اقتصاد تنافسي فعلاً، أم هو اقتصاد تُشكّله قوى احتكارية غير مرئية؟"و"هل الأسواق تنافسية… أم أن المنافسة مجرد افتراض نظري؟"

ستنظر إلى بعض القطاعات، وستلاحظ أن عدد اللاعبين محدود، وأن الأسعار لا تنخفض بسهولة بعد أن ترتفع (أي أنها لزجة الهبوط)، وأن الإنتاج لا يتوسع بالسرعة المطلوبة.وستقول:"إذا لم تكن الأسواق تنافسية، فلا تتوقعوا استثماراً قوياً ولا نمواً مرتفعاً." و"المشكلة ليست في السوق… بل في كيفية عمل السوق."

وستتوقف روبنسون سريعاً عند سوق العمل. لن يلفت انتباهها معدل البطالة فقط، بل استمراريته، فالبطالة المرتفعة لسنوات طويلة لا تعني في نظرها تقلباً دورياً، بل خللاً أعمق في بنية الاقتصاد، وستقول، "إذا استمرت البطالة، فالمشكلة ليست في الأجور… بل في الطلب الذي لا يخلق إنتاجاً." ولن تكتفي بذلك بل ستضيف، "وإذا لم يتحول الطلب إلى إنتاج محلي، فأنتم لا تعانون فقط من نقص الطلب… بل من تسربه". لتضع يدها على أحد من أهم قضايا الاقتصاد الأردني وهي أن جزءا كبيرا من الإنفاق لا يبقى داخل الاقتصاد.

هنا ستدخل ماريانا ماتسوكاتو النقاش، وتغيّر زاويته فتتساءل:"أنتم تتحدثون عن السوق… لكن أين الدولة في هذه القصة؟"ففي نظرها، المشكلة في كثير من الدول ليست أن الدولة كبيرة أو صغيرة، بل أن الدولة:"غير موجّهة نحو خلق القيمة."ستنظر إلى السياسات الاقتصادية، وتسأل:"هل هناك رؤية إنتاجية واضحة؟"هل يتم توجيه الاستثمار نحو قطاعات مستقبلية؟"هل الدولة تقود الابتكار… أم تنتظر السوق؟"ثم ستقول:"الدولة ليست فقط مصححاً لفشل السوق، بل شريك في خلق الأسواق".

وستقول ماتسوكاتو أن الأردن يمتلك عناصر مهمة، منها: الاستقرار النسبي لأكثر من نصف قرن، وموقع جغرافي استراتيجي، ورأس مال بشري متعلم. وستشير إلى أن هذه العناصر لم تُحوّل بعد إلى مشروع اقتصادي واضح المعالم، حيث ان "الاقتصاد لا ينمو فقط بالاستقرار… بل بالاتجاه."

وستتفقان على نقطة مركزية:ليس كل إنفاق متساوياً.فتقول روبنسون:"إذا كان الإنفاق لا يولّد إنتاجاً محلياً، فهو ضعيف الأثر...النمو الحقيقي هو الذي يغير قدرة الاقتصاد على الإنتاج، لا فقط حجمه." وتضيف ماتسوكاتو، "القيمة لا تُخلق في الاستهلاك، بل في الابتكار والإنتاج...وإذا لم يكن موجهاً نحو خلق قيمة مستقبلية، فهو إنفاق ضائع."

كم هو جميل هذا الحوار، وكم يحتوي من زخم من الحكمة والنصائح المبنية على المعرفة والتجارب، مما يقود الى مفهوم المضاعف الاقتصادي، والسؤال المهم:هل يبقى الدينار داخل الاقتصاد ويدور ليحرك الطلب ثم العرض؟أم يخرج سريعاً عبر الاستيراد؟ فتقول روبنسون"إذا كان الدينار لا يدور داخل الاقتصاد، فلا تتوقعوا أثراً كبيراً." وتضيف ماتسوكاتو، "وإذا لم يكن موجهاً نحو خلق قيمة مستقبلية، فهو إنفاق بلا اتجاه."

اتفقتا بعد نقاش طويل على تشخيص ثلاثي:أولا، هنالك تسرب اقتصادي مرتفع اذ يذهب جزء كبير من الطلب إلى الخارج، مما يضعف أثر الانفاق على النمو. ثانيا، بنية السوق غير مكتملة المنافسة فبعض القطاعات لا تشجع التوسع والاستثمار.ثالثا، يحتاج دور الدولة الى التوجيه نحو خلق القيمة الإنتاجية.

وستقترح روبنسون تعزيز المنافسة الحقيقية، وكسر الاحتكارات غير الفعالة، وربط الأسعار والإنتاج بالواقع لا بالنماذج. أما ماتسوكاتو، فستؤكد على توجيه الاستثمار نحو قطاعات استراتيجية، وبناء "مهمات وطنية"مثل المياه، والطاقة، والصناعة، وجعل الدولة شريكاً في الابتكار، لا مجرد منظّم.وربما ستتفقان على عبارة واحدة:"المشكلة ليست في حجم الاقتصاد…بل في نوعيته."

وفي النهاية، قد تتركان توصية (رغم كونها بسيطة لكنها عميقة)، "لا تسألوا فقط: كم ننمو؟

بل اسألوا: ماذا ننتج… وكيف ننتج… ولمن؟"في النهاية، ليست هذه زيارة حقيقية، لكنها تطرح سؤالاً حقيقياً:هل نريد اقتصاداً ينمو فقط… أم اقتصاداً ينتج ويبتكر ويستدام؟

الراي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :