تُطرح في الخطاب العام ظاهرة يمكن وصفها بأنها توتر فكري أو سلوكي بين الانتماء المكاني والانتماء السياسي أو الأيديولوجي. هذه الظاهرة تظهر بوضوح لدى بعض الأفراد الذين يعيشون في دول غربية، ويتمتعون بما توفره من خدمات وفرص ، وفي الوقت نفسه يعبرون عن مواقف معارضة أو حتى معادية لسياسات تلك الدول، بل وقد يصل الأمر إلى تأييد دول أو أنظمة تختلف جذريًا مع تلك البيئات التي يقيمون فيها.
من الناحية التحليلية، لا يمكن اختزال هذه الحالة في توصيف مرضي أو نفسي مباشر، بل هي أقرب إلى تفاعل معقد بين عدة عوامل: أولها حرية التعبير التي تتيحها الأنظمة الديمقراطية، حيث يُسمح للفرد بانتقاد الدولة وسياساتها دون خوف من العقاب، وهو ما يجعل ظهور هذه الظاهرة ممكنًا ومشروعًا ضمن الإطار القانوني.
ثانبا تعددية الهوية، إذ لم يعد الانتماء مرتبطًا حصريًا بالمكان الجغرافي، بل أصبح الفرد يحمل هويات متداخلة: دينية، ثقافية، قومية، أو أيديولوجية، قد تتعارض أحيانًا مع الدولة التي يعيش فيها.
كما تلعب العوامل السياسية الدولية دورًا مهمًا، حيث يتبنى بعض الأفراد مواقفهم بناءً على قراءتهم للصراعات العالمية، وليس بناءً على مصالحهم الشخصية المباشرة. في هذا السياق، قد يرى الفرد نفسه منحازًا لقضية أو دولة يعتقد أنها تمثل موقف “المظلومية” أو “المقاومة”، حتى لو كان يعيش في دولة أخرى توفر له الاستقرار.
هذا الانحياز لا يكون بالضرورة ناتجًا عن تناقض داخلي بقدر ما هو تعبير عن منظومة قيم يضعها الفرد فوق اعتبارات المكان.
من زاوية أخرى، يمكن تفسير الظاهرة ضمن إطار ما يُعرف بالاستفادة الوظيفية مقابل الانتماء العاطفي. إذ قد يتعامل الفرد مع الدولة التي يقيم فيها بوصفها إطارًا يوفر له فرص العمل والتعليم والأمان، دون أن يعني ذلك تبني سياساتها أو رؤيتها للعالم. في المقابل، يحتفظ بانتماء عاطفي أو فكري لكيانات أخرى يرى أنها أقرب إلى هويته الأصلية أو قناعاته.
مع ذلك، تثير هذه الحالة تساؤلات مشروعة تتعلق بالاتساق الداخلي للفرد: هل يمكن الفصل التام بين الاستفادة من نظام ما ومعارضة توجهاته؟ وهل يؤدي هذا الفصل إلى نوع من التناقض العملي، أم أنه جزء طبيعي من تعقيد الهوية الإنسانية في العصر الحديث؟
هذه الأسئلة لا تحمل إجابات قطعية، لكنها تفتح مجالًا لدراسة أعمق للعلاقة بين الفرد والدولة في ظل العولمة.
في المحصلة، فإن ظاهرة “نعادي الغرب ونلجأ اليه” ليست حالة شاذة بقدر ما هي انعكاس لتحولات أوسع في مفهوم الانتماء والهوية. وهي ظاهرة تستدعي الدراسة من منظور اجتماعي وسياسي، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، لفهم ديناميكياتها وأسبابها ونتائجها على الفرد والمجتمع.
في العالم العربي من الصعب جدًا تقبل هذه الفكرة ، خصوصا اليوم في ظل الحرب القائمة ، فلا أحد يتقبل فكرة أن يكون ساكن قطر مؤيدا لايران ، أو قاطن للأردن يفرح لصواريخ ايرانية تضرب أراضيه.