facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"قانون التربية ٢٠٢٦" .. استحقاق وطني أم مغامرة تشريعية؟


فيصل تايه
26-03-2026 10:12 AM

تلبية لدعوة لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب الأردني ، برئاسة الأخ العزيز الدكتور إبراهيم القرالة، التقينا بنخبة من القامات التربوية والخبراء في لقاء حواري موسع خصص لمناقشة مسودة "قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لعام ٢٠٢٦". وتمثل هذه الدعوة، بما تنطوي عليه من إشراكٍ لأبناء الميدان وأصحاب الخبرة التراكمية، خطوة متقدمة في الممارسة الديمقراطية، ومدخلًا أساسيًا لصياغة تشريع يحظى بالقبول الوطني ويعكس طموحات الدولة الأردنية في مئويتها الثانية ضمن رؤية التحديث الشاملة ، حيث إن هذا القانون يمكن اعتباره "دستور الأجيال"، وصانع القرار أمام فرصة تاريخية لصناعة مستقبل التعليم الأردني.

غير أن هذه الإيجابية، على أهميتها، لا ينبغي أن تحجب السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام مشروع قانون يؤسس لتحول نوعي في التعليم، أم أمام إعادة إنتاج محسنة لتشريع لم يعد قادراً على الاستجابة لتحولات العصر؟ وكيف يمكن القبول بأن تتطابق نسبة كبيرة من نصوص هذا المشروع مع قانون يعود إلى قوانين سابقة مضى عليها سنوات طويلة ، في وقت يشهد فيه العالم تحولات جذرية في فلسفات التعليم، وأدواته، ووظائفه؟ من هنا ، فان كل يوم تأخير في اتخاذ القرار يعني فرصة ضائعة للأجيال القادمة.

إن القوانين التربوية في الدول الحديثة لم تعد مجرد نصوص تنظيمية، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية تعكس رؤية المجتمع لمستقبله، وتترجم طموحاته إلى سياسات قابلة للتطبيق ، ومن هذا المنطلق، فإن التحديث الحقيقي لا يتحقق بإعادة ترتيب النصوص أو تحسين صياغتها، بل بإعادة تعريف دور التعليم ذاته في عصر الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، والانتقال الجاد من نموذج "التعليم بالتلقين" إلى نموذج "التعلم القائم على التفكير النقدي والإبداعي"، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد المعرفي .

وفي هذا السياق، يبرز أحد أخطر التحديات المتمثل في "تسطيح المفاهيم التربوية"، وعلى رأسها مفهوم "المناهج"، التي لا يمكن اختزالها في الكتب المدرسية، بل هي منظومة متكاملة تشمل البيئة التعليمية، وأساليب التدريس، وأنماط التقييم، وثقافة التعلم داخل المدرسة ، لذلك فإن أي اختلال في هذا الفهم ينعكس مباشرة على جودة المخرجات التعليمية، ويقيد قدرة الطلبة على التحليل والابتكار، ويُبقي العملية التعليمية أسيرة أنماط تقليدية لا تتناسب مع تحديات المستقبل ، فالمناهج ليست كتباً فقط، إنها مستقبل الوطن.

أما على مستوى الحوكمة، فتبرز إشكالية مركبة تتعلق بتداخل الصلاحيات وتغول المركزية، بما قد يحد من مرونة النظام التعليمي وقدرته على الابتكار ، وهنا تبرز إشكالية قانونية وسيادية تكمن في منح "رئيس الوزراء" صلاحيات واسعة لاتخاذ قرارات هيكلية كبرى بموجب أنظمة إدارية لا نصوص تشريعية صلبة، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا التغول التنفيذي ، إذ إن ترك مصير مؤسساتنا التربوية رهناً باجتهادات السلطة التنفيذية بعيداً عن رقابة المشرّع ما يحوّل "دستور الأجيال" من وثيقة استراتيجية عابرة للحكومات إلى أداة إدارية متغيرة، مما يهدد مبدأ الاستقرار المؤسسي ، لذلك فإن منح صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية لاتخاذ قرارات مصيرية "كدمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي" عبر أدوات إدارية لا تستند إلى ضمانات تشريعية صلبة، يثير تساؤلات حقيقية حول مستقبل المؤسسية الوطنية، ويهدد مبدأ استقرار السياسات العامة ، حيث ان مثل هذه القرارات الاستراتيجية يجب أن تستند إلى نصوص قانونية واضحة، ورؤية تنفيذية متكاملة، لا إلى اجتهادات ظرفية قد لا تصمد أمام اختبار الزمن ، فالقانون يحتاج قوة التشريع، لا الاجتهاد الفردي.

وفي هذا الإطار، فإن ما يمكن وصفه بـ"التحول الهيكلي" الناتج عن دمج القطاعين التربوي والأكاديمي، يمثل نقطة مفصلية لا تُقاس بحسن النوايا، بل بمدى جاهزية البنية المؤسسية، وتكامل الأدوار الوظيفية، ووضوح خارطة الطريق التنفيذية ، وغياب هذه العناصر قد يحول هذا التحول من فرصة إصلاحية إلى مغامرة غير محسوبة العواقب ، والمغامرة هنا قد تكلف الوطن أجيالاً.

وفي جانب الإصلاحات الإيجابية، يُحسب للمشروع النص على إلزامية ومجانية مرحلة رياض الأطفال (KG2)، لما لذلك من أثر بالغ في تحقيق العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص ، غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تحتاج إلى خطط تنفيذية واضحة، وبنية تحتية قادرة على الاستيعاب، وتمويل مستدام يضمن استمراريتها. الاستثمار اليوم يعني مخرجات وطنية قوية غداً.

وعند تفكيك مواد القانون، تتصدر قضية "تمهين التعليم" ورخصة مزاولة المهنة واجهة النقاش، بوصفها أحد أهم مرتكزات تطوير المنظومة التعليمية ، إلا أن نجاح هذا التوجه مشروط بتوفير ضمانات مؤسسية تحول دون تحويل الرخصة إلى أداة ضبط إداري أو وسيلة للتعسف، وذلك من خلال مأسسة منحها عبر هيئات مستقلة ومحايدة تضمن الشفافية وتحفظ الحقوق المكتسبة للمعلمين، وتعزز مكانتهم المهنية بوصفهم الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي حقيقي .

وفي موازاة ذلك، فإن الحديث عن التعليم المدمج، والمسارات التقنية الحديثة مثل (BTEC)، والمنصات التفاعلية، يفقد كثيرًا من قيمته إن لم يُقرن ببنية تحتية حقيقية، واستثمارات مدروسة، وصلاحيات تنفيذية مرنة تمكن الوزارة من الاستجابة للاحتياجات الميدانية، بما في ذلك توفير الأراضي اللازمة لإنشاء المدارس في المناطق المكتظة، وضمان جاهزية البيئة التعليمية لاستيعاب هذا التحول ، فاستملاك الأراضي ليس إجراءً روتينياً، بل شرط أساسي لنجاح كل إصلاح.

كما أن غياب نصوص واضحة تعالج هذا الجانب بشكل مباشر قد يؤدي إلى تعطيل تنفيذ العديد من التوجهات الإصلاحية الواردة في القانون، خصوصاً تلك المتعلقة بالتعليم المدمج والتوسع في المسارات التقنية، التي تتطلب بيئات تعليمية مهيأة ومرافق حديثة لا يمكن توفيرها دون تخطيط عمراني وتعليمي متكامل.

ان التأجيل هنا يعني فشل التنفيذ قبل البداية ، وإن التشريع التربوي لا يُبنى على القطيعة مع الماضي، لكنه في الوقت ذاته لا يقبل إعادة إنتاجه ، فالتحديث الحقيقي هو عملية تراكمية واعية، تتطلب شجاعة في المراجعة، وجرأة في اتخاذ القرار، وقدرة على استشراف المستقبل ، ومن هنا، فإن الحاجة باتت ملحة لتوسيع دائرة الحوار الوطني، عبر الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل للتعليم من أجل المستقبل، يضم مختلف الأطراف المعنية من أكاديميين، وتربويين، وخبراء، وصناع قرار لصياغة رؤية مشتركة تتجاوز الحلول التقليدية وتؤسس لمسار إصلاحي مستدام.

ختاماً ، فإن هذه القراءة لا تنطلق من موقع المعارضة، بل من موقع الشراكة والمسؤولية الوطنية، فالتعليم هو المشروع الحضاري الأكبر الذي تُبنى عليه ملامح الدولة ومستقبلها ، وإن إقرار قانون بهذا الحجم دون معالجة جوهرية للتحديات المطروحة قد يحد من قدرته على تحقيق أهدافه، ويُفوت على الأردن فرصة تاريخية لإحداث تحول حقيقي في نظامه التعليمي ، وكل يوم تأخير يضاعف التحدي، وكل قرار شجاع يصنع المستقبل.

إن قوة الدولة تبدأ من قوة مدرستها، وحكمة تشريعاتها، وسيبقى المورد البشري الأردني هو عنوان التميز، ما دامت الإرادة الوطنية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والرؤى إلى واقع ملموس ، فكونوا صناع القرار الذين سيكتب لهم التاريخ.
حفظ الله الأردن، ملكاً وشعباً، منارةً للحق وعنواناً للريادة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :