الاقتصاد والسياحة في الأردن: من جذب الاستثمار إلى إعادة تعريف اللعبة
أسامة ابو طالب
26-03-2026 12:32 PM
في كل مرة تتعقّد فيها الظروف الاقتصادية أو الإقليمية، نلجأ إلى العبارة الجاهزة: “علينا أن نفكر خارج الصندوق”. لكن الحقيقة التي يجب مواجهتها بوضوح هي أن الأردن اليوم لا يملك رفاهية الخروج من هذا الصندوق، بل يملك فقط خياراً أصعب وأكثر واقعية: إعادة تشكيله من الداخل.
الاقتصاد الأردني، والسياحة على وجه الخصوص، يقفان أمام لحظة تتطلب تغييراً في طريقة التفكير، لا مجرد تحسين في أدوات الترويج. فالتحدي لم يعد مرتبطاً فقط بتراجع الطلب أو اضطراب الأسواق، بل بفجوة حقيقية بين الخطاب الذي يتحدث عن الفرص، وبين واقع السوق الذي يواجه كلفاً مرتفعة ومخاطر متزايدة دون أدوات فعّالة لإدارتها.
لسنوات، كان الحديث يدور حول “جذب الاستثمار”، وكأن المستثمر يبحث فقط عن وجهة جديدة. لكن هذا الطرح لم يعد مقنعاً. المستثمر اليوم لا يفكر بهذه البساطة، بل يبحث عن توزيع المخاطر، لا عن نقلها من مكان إلى آخر.
ومن هنا، فإن الخطاب الاقتصادي يجب أن يتحول من فكرة “انقل استثمارك إلى الأردن”، إلى فكرة أكثر نضجاً وواقعية:
“نوّع استثماراتك… واجعل الأردن جزءاً من توازنك.”
هذه المقاربة تصبح أكثر أهمية عند الحديث مع أسواق متقدمة مثل دول الخليج، وخصوصاً دبي، حيث لا يبحث المستثمر عن بديل، بل عن امتداد ذكي يقلل من التركز ويمنحه مرونة أكبر في مواجهة التقلبات. الأردن، في هذا السياق، يمكن أن يقدّم نفسه كشريك في إدارة المخاطر، لا كمنافس على جذب رأس المال.
لكن هذا الطرح لن يكون مقنعاً ما لم يُدعم بأدوات حقيقية، تتجاوز الشعارات، وتدخل في تفاصيل الكلف التشغيلية، والحوافز المرتبطة بالأداء، ونماذج الشراكة التي تعكس جدية في تقاسم المخاطر، لا مجرد وعود.
وفي السياق ذاته، لا يمكن الاستمرار في النظر إلى دول الخليج فقط كسوق سياحي، بينما هي في الحقيقة تمثل عمقاً اقتصادياً ولوجستياً هائلاً. إن إعادة تعريف العلاقة مع هذه الأسواق يجب أن تنطلق من بوابة التجارة، لا من نافذة السياحة فقط. وهنا تحديداً تبرز العقبة وميناؤها كأداة استراتيجية لم يتم استثمارها بالشكل الكافي.
فبدلاً من الاكتفاء بالترويج، يمكن بناء حزم تشجيعية متكاملة تجعل من ميناء العقبة خياراً حقيقياً للشحن والتوزيع في المنطقة، من خلال منظومة واضحة تشمل إعفاءات مرحلية ومدروسة على رسوم الميناء، وتخفيضات تنافسية على أجور الشحن والتفريغ، وتسهيلات جمركية سريعة ومضمونة بزمن محدد، وحوافز مرتبطة بحجم الحركة التجارية وليس مجرد الدخول إلى السوق.
وفي هذا الإطار، لا يقتصر الأثر على تنشيط الحركة التجارية فحسب، بل يمتد ليشكّل تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقة الاقتصادية مع دول الخليج. فعندما ينجح الأردن، من خلال العقبة ومينائها، في تقديم نفسه كشريان رئيسي وموثوق لسلاسل التوريد في المنطقة، فإن العلاقة تنتقل من كونها موسمية أو سياحية إلى علاقة استراتيجية قائمة على الاعتماد المتبادل.
فالدول والشركات لا تبني شراكاتها على الحملات الترويجية، بل على الكفاءة والاستمرارية والجدوى الاقتصادية. وعندما تصبح العقبة جزءاً من القرار اللوجستي اليومي لشركات النقل والتوزيع في الخليج، فإن ذلك يرسّخ حضور الأردن في عمق المنظومة الاقتصادية الإقليمية، ويمنحه دوراً يتجاوز الاستهلاك إلى التأثير. وهذا التحول يخلق امتدادات طبيعية في الاستثمار والسياحة والخدمات، لأن من يدخل السوق عبر بوابة التجارة… نادراً ما يبقى خارجها في بقية القطاعات.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن إغفال دور السياحة الإقليمية، التي يجب أن تتحول من خيار ثانوي إلى ركيزة أساسية. فبناء شراكات حقيقية مع وكلاء السياحة والسفر في دول الجوار، وتطوير برامج مشتركة ومسارات سياحية مترابطة، يمكن أن يخلق تدفقاً أكثر استقراراً وأقل تأثراً بالتقلبات العالمية. السائح الإقليمي ليس فقط أقرب جغرافياً، بل أسرع في اتخاذ القرار، وأكثر تكراراً للزيارة، إذا ما وجد تجربة عادلة ومقنعة.
لكن كل ذلك يبقى ناقصاً إذا لم يتم معالجة الخلل الداخلي. فالسوق الذي لا يضبط نفسه، لا يمكن لأي حملة أن تنقذه. التسعير غير المنطقي، والتفاوت في جودة الخدمة، ومحاولات الاستفادة قصيرة المدى، كلها عوامل تضعف الثقة، وهي العنصر الأكثر حساسية في أي اقتصاد سياحي.
لقد كانت جاذبية الأردن تقوم على معادلة واضحة: تجربة مميزة بتكلفة مقبولة. لكن هذه المعادلة لم تعد مستقرة كما كانت، ومعها بدأ التحدي الحقيقي يظهر.
إن المرحلة الحالية لا تحتاج إلى المزيد من الحملات، بل إلى إعادة تعريف الدور الاقتصادي للأردن، من خلال ربط الاستثمار بالسياحة بالتجارة ضمن منظومة واحدة، تقوم على إدارة المخاطر، وتقديم قيمة حقيقية، وبناء شراكات إقليمية ذكية.
الأردن لا ينقصه الموقع ولا الإمكانات، لكنه يحتاج إلى وضوح أكبر في الطرح، وجرأة أعلى في التنفيذ. لأن النجاح في المرحلة القادمة لن يكون لمن يكرر نفس الأدوات…
بل لمن يعيد تعريفها بالكامل.
الرأي