الإشاعات وتصديقها .. بين الطرفة والواقع
م. عبدالفتاح الدرادكة
26-03-2026 03:43 PM
في أحد الأعمال الكوميدية للفنان السوري، دريد لحام وتحديدًا من خلال شخصية “غوار الطوشة” في المسلسل، القديم صح النوم طُرحت قصة طريفة تحمل في طياتها دلالة عميقة. فقد كان غوار يمتلك كمية من السكر، وأراد بيعها بسرعة، فاختلق إشاعة مفادها وجود نقص في السكر في الأسواق. وما إن صدّق أحد الزبائن هذه الرواية حتى بدأ بنقلها للآخرين، لتتحول إلى حالة هلع جماعي دفعت الناس إلى التهافت على شراء السكر وتخزينه.
المفارقة اللافتة أن هذه الإشاعة، التي انطلقت بدافع مصلحة شخصية، سرعان ما خرجت عن السيطرة، حتى إن غوار نفسه وقع ضحية لها، وانخرط في سباق الحصول على السكر، وكأنه صدّق ما اختلقه. هذه القصة، على بساطتها، تعكس بدقة آلية انتشار الإشاعات وكيف يمكن أن تتحول من فكرة عابرة إلى “حقيقة” يتعامل معها الناس بجدية.
وفي واقعنا المعاصر، لا تختلف الصورة كثيرًا، بل ربما ازدادت تعقيدًا وخطورة، خاصة في ظل تسارع وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة تداول المعلومات دون تحقق. ففي أوقات الأزمات أو التوترات الإقليمية، تتكاثر الإشاعات بشكل ملحوظ، وتجد لها آذانًا صاغية، بل وأيديًا تساهم في نشرها دون وعي أو تدقيق.
فخلال الظروف التي نمر بها، تتردد بين الحين والآخر أخبار غير مؤكدة، مثل ادعاءات حول قيام المواطنين بتخزين المشتقات النفطية و المواد الغذائية الأساسية مثل السكر، والأرز، والطحين. ويأتي ذلك رغم إعلان الجهات الرسمية، ممثلة بوزارة الطاقة والثروة المعدنية بان مخزون الوقود اللازم لتوليد الكهرباء والغاز والمشتقات النفطية يكفي لما يزيد على الشهرين ، وتأكيد وزارة الصناعة والتجارة، على أن المخزون الاستراتيجي من القمح يكفي لعدة أشهر، إضافة إلى وجود تعاقدات مستمرة لتأمين الإمدادات، فضلًا عن توفر مخزون آمن من باقي السلع الأساسية يكفي لعدة اشهر.
إن خطورة الإشاعة لا تكمن فقط في كونها معلومة غير صحيحة، بل في تأثيرها المباشر على سلوك الأفراد والمجتمع، وما قد تسببه من إرباك للأسواق، وخلق أزمات مصطنعة، وإضعاف الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يتجه الجميع إلى التخزين بدافع الخوف، قد يحدث نقص فعلي في الأسواق، ليس بسبب قلة الموارد، بل نتيجة سوء التوزيع والطلب غير الطبيعي.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على أهمية التحلي بالعقلانية، وعدم الانجرار وراء كل ما يُتداول من أخبار، خاصة إذا كانت مصادرها غير واضحة أو مجهولة. فالمعلومة الدقيقة يجب أن تُؤخذ من مصادرها الرسمية، التي تمتلك القدرة على التحقق والتقييم قبل النشر.
كما أن من أخطر ما قد يرافق انتشار الإشاعات هو استغلالها من قبل جهات تسعى إلى إضعاف الجبهة الداخلية، فيما يُعرف بـ”الطابور الخامس”، الذي يعمل على بث القلق والتشكيك وزعزعة الاستقرار النفسي والاجتماعي. وهذا يتطلب من الجميع مستوى عاليًا من الوعي والمسؤولية في التعامل مع المعلومات.
وانطلاقًا من ذلك، فإن المرحلة الراهنة تفرض مجموعة من الواجبات، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات. فعلى المواطنين أن يتحلوا بروح المسؤولية الوطنية، من خلال الامتناع عن تداول الإشاعات، والتحقق من صحة الأخبار قبل نشرها، ودعم الجهود الرسمية الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار.
وفي المقابل، تقع على عاتق الجهات الرسمية مسؤولية الاستمرار في نهج الشفافية، وتزويد المواطنين بالمعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، إضافة إلى ملاحقة مروجي الإشاعات ومحاسبتهم وفق القانون، خاصة في ظل الظروف التي لا تحتمل التهاون مع مثل هذه السلوكيات.
كما أن للإعلام دورًا محوريًا في نشر الوعي، وتعزيز ثقافة التحقق، وتقديم المعلومات بطريقة واضحة ومهنية، بما يسهم في بناء مجتمع واعٍ وقادر على التمييز بين الحقيقة والشائعة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن مواجهة الإشاعات ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود، ووعيًا مجتمعيًا متقدمًا. ولعل ما يتمتع به المجتمع الأردني من وعي وثقافة، وما ينعم به من استقرار، يشكلان قاعدة صلبة لمواجهة مثل هذه التحديات.
إن الوعي هو خط الدفاع الأول، والعقلانية هي السلاح الأقوى في مواجهة سيل الإشاعات، التي قد تبدأ بكلمة، لكنها قد تنتهي بأزمة… إذا لم نحسن التعامل معها.
والله من وراء القصد