facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اللعب على حافة الهاوية: التفاوض من خلال الحرب والتهديد


د.محمد ابورمان
26-03-2026 04:10 PM

تبدو مفارقة المشهد الحالي، للوهلة الأولى، صارخة: إذ يبدو خطاب ترامب فوضوياً، متقلباً، شخصانياً، أقرب إلى الاندفاع منه إلى الاستراتيجية، أما سلوك الحرس الثوري الإيراني، بخاصة في توسيع ساحات الحرب ونطاق الأهداف، فيراه كثيرون أقرب إلى المقامرة غير العقلانية، لكن قد تكون هذه القراءة، على الأرجح، هي أكثر ما يضلّل في فهم الحرب الراهنة واستراتيجيات الأطراف المختلفة، بخاصة كل من ترامب والحرس الثوري، فالمشكلة لا تكمن في غياب العقلانية لدى هذا الطرف أو ذاك، بل في أنّ كليهما يمارس نمطاً مختلفاً من العقلانية الاستراتيجية، يقوم على تعمّد إنتاج الغموض من جهة، ورفع المخاطر من جهة ثانية، وتوسيع هامش القلق لدى الخصم من جهةٍ ثالثة، بحيث تصبح الحرب نفسها لغة تفاوض، ويغدو التصعيد وسيلة للإكراه لا مجرد انفلات من السياسة.

في حالة ترامب، لا يمكن فهم خطابه ضمن إطار القوالب التقليدية التي حكمت الإدارات الأميركية السابقة، فنحن أمام نمط مختلف، تتقدّم فيه الشخصية على المؤسسة، ويتراجع فيه الإيقاع البيروقراطي لصالح إيقاع فردي سريع، متقلّب ظاهرياً، بحيث تبدو تصريحاته المستمرة أحياناً متناقضة أو متضاربة، لكنها في الحقيقة تعمل كجزء من استراتيجية أوسع: إغراق الخصم – بل والحلفاء أيضاً – بحالة من عدم اليقين، تجعل من الصعب تثبيت موقف واضح تجاه نواياه الحقيقية.

هذا النمط من الخطاب أصبح ظاهرة مرتبطة بنمط شخصيته وأسلوبه في الإدارة، فترامب لا يتحدث فقط ليشرح موقفاً، بل ليفرض إيقاعاً تفاوضياً، ويرفع السقف إلى أقصى حد، ثم يلمّح إلى إمكانية الصفقة، ثم يعود إلى التهديد، في دورة متكررة تضع الخصم أمام سؤال دائم: ما الذي يريده فعلاً؟ هذا الغموض المقصود يخلق مساحة مناورة واسعة له، ويمنحه القدرة على تعديل مواقفه من دون أن يبدو متراجعاً. وهنا تحديداً تتجلى عقلية “الصفقة”: تعظيم أوراق الضغط أولاً، ثم ترك باب الخروج مفتوحاً، مع الإبقاء على التهديد قائماً بما يكفي لإقناع الطرف الآخر بأن البديل أسوأ.

هذا النمط يلتقي، من زاوية نظرية، مع بعض أفكار Thomas C. Schelling حول الصراع بوصفه تفاعلاً استراتيجياً تُستخدم فيه التهديدات والالتزامات والمخاطر لتعديل سلوك الخصم، فتعريف القوة، في هذا المنظور، يتجاوز استخدامها بالطريقة التقليدية، بل في جعل استخدامها ممكناً ومصدقاً، وفي إدارة الغموض بطريقة تدفع الطرف الآخر إلى إعادة حساباته، كذلك، فإنّ فكرة “المساومة عبر المخاطر” تبدو حاضرة بقوة: الاقتراب من الحافة من دون السقوط، لإجبار الخصم على التراجع خطوة إلى الخلف.

في المقابل، فإنّ ما يبدو في تصورات كثير من السياسيين والمراقبين في المنطقة “لا عقلانياً” في سلوك إيران، بخاصة الحرس الثوري، يصبح أكثر قابلية للفهم إذا قرأناه من المنظور نفسه، بعيداً عن منطق القانون الدولي أو الاعتبارات القومية والدينية أو الآخلاقية، في علاقة إيران بجيرانها، لأنّ هذه اللعبة هي استراتيجية بامتياز، فحين يلوّح الحرس بتوسيع الحرب إلى الخليج، أو بتهديد ممرات الطاقة، فهو يريد تغيير بنية اللعبة. أي نقل الصراع من ساحة تختل فيها موازين القوة لمصلحة واشنطن، إلى ساحة أوسع تتوزع فيها الكلفة على أطراف متعددة، وتصبح فيها الأسواق والطاقة والاستقرار الإقليمي جزءاً من المعادلة.

في هذا السياق لا بد من التمييز داخل إيران بين مستويين. الأول هو مستوى الحرس الثوري، الذي يدير الصراع بمنطق الردع عبر التوسيع، أي رفع الكلفة على الخصم عبر نشر المخاطر خارج الجغرافيا الإيرانية. والثاني هو مستوى النخبة البراغماتية، ممثلة بالرئيس ووزير الخارجية، التي تحاول – من داخل النظام نفسه – البحث عن مخرج استراتيجي يوقف الاستنزاف، ويعيد فتح قنوات التفاوض، ويمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة قد تعزز موقع الحرس الثوري داخلياً على حساب الدولة. فالحرس الثوري يرفع سقف المخاطر، فيما تحاول الدبلوماسية الإيرانية تحويل هذا السقف المرتفع إلى ورقة تفاوض؛ وهنا يمكن الاستفادة أيضاً من منظور روبرت بيب، الذي يميز بين الإكراه عبر العقاب والإكراه عبر الحرمان، ذلك أنّ الولايات المتحدة تميل إلى الجمع بين الاثنين، فيما تعتمد إيران بدرجة أكبر على الإكراه بالعقاب غير المباشر، عبر تهديد المصالح الاقتصادية والإقليمية.

بالنتيجة فإنّ هذه الحرب قد تكون نموذجية لدراسة نظرية اللعبة في السياسات الخارجية للدول، فالطرفان يتصرفان، بدرجات مختلفة، “by the book”. أما المرحلة القادمة، فهي مرهونة بمدى نجاح هذا اللعب على الحافة في إنتاج لحظة توازن جديدة؛ فيما إذا استمر الطرفان في إدارة التصعيد ضمن حدود يمكن التحكم بها، فقد نشهد انتقالاً تدريجياً إلى تفاهم غير معلن، أو إلى وقف إطلاق نار غير متوازن يُعرَّف سياسياً بوصفه “تحقيقاً للأهداف”؛ لكن الخطر الحقيقي – في المقابل- يكمن في أن يتحول الغموض المقصود إلى ما يطلق عليه بيب “فخ التصعيد”، بخاصة إذا لم تنجح المحاولات الحالية لإعادة تدشين المفاوضات بين الطرفين، إذ غالباً قد تنتقل الحرب من تفاوض بالقوة إلى مواجهة مفتوحة لا يرغب بها أي طرف، لكنها تظل احتمالاً قائماً كلما اقترب الجميع أكثر من حافة الهاوية.

معهد السياسة والمجتمع





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :