إيران بين موسكو والغرب… صراع نفوذ أم مشروع هيمنة؟
م. وائل سامي السماعين
27-03-2026 10:01 AM
في ظل التصعيد المتسارع في المنطقة، يبرز سؤال محوري: هل ما نشهده هو امتداد لصراع عالمي بين روسيا والغرب، أم أنه تعبير عن مشروع إقليمي تقوده إيران مستفيدًا من التوازنات الدولية؟
القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة ثنائية. فإيران ليست مجرد أداة بيد موسكو، بل لاعب إقليمي يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، مستخدمًا مزيجًا من النفوذ السياسي والعسكري والأيديولوجي. وفي المقابل، ترى روسيا في إيران شريكًا مهمًا، وتربطهما شبكة تعاون متعددة الأبعاد، لكنها تظل محسوبة بدقة.
فأوجه التعاون بين موسكو وطهران تشمل عدة مستويات رئيسية:
سياسيًا ودبلوماسيًا: تنسق روسيا مع إيران في المحافل الدولية، وتوفر لها غطاءً سياسيًا في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية.
اقتصاديًا: يتعاون الطرفان في مجالات الطاقة والتجارة والنقل، في إطار شراكات تهدف إلى تقليل الاعتماد على النظام المالي الغربي.
نوويًا وتقنيًا: تلعب روسيا دورًا محوريًا في بناء وتشغيل محطات الطاقة النووية المدنية في إيران، وعلى رأسها محطة بوشهر، بما يشمل التصميم والتوريد والتدريب.
عسكريًا وأمنيًا (بشكل غير مباشر): يوجد تنسيق في بعض الملفات الإقليمية، وتبادل خبرات وتقنيات في مجالات عديدة منها صناعة الصواريخ والمسيرات ، دون الوصول إلى مستوى تحالف دفاعي مباشر.
هذا التوازن في العلاقة ظهر بوضوح مؤخرًا، حين قامت موسكو بإخلاء نحو 169 خبيرًا روسيًا من محطة بوشهر النووية. هذه الخطوة، رغم طابعها الفني، تحمل دلالات استراتيجية عميقة؛ فهي تؤكد أن روسيا، رغم تعاونها الواسع مع إيران، لا تعتبر نفسها ملزمة بالدفاع عنها عسكريًا، ولا ترغب في الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي.
من جهة أخرى، يتعامل الغرب مع إيران ليس فقط كقوة إقليمية، بل كجزء من معادلة أوسع تتعلق بأمن الطاقة واستقرار المنطقة وحماية حلفائه، وعلى رأسهم إسرائيل. لذلك، فإن الضغط الغربي على إيران يتجاوز ملفها النووي، ليشمل دورها الإقليمي وتحالفاتها.
في هذا السياق، يصبح من الأدق توصيف ما يجري بأنه حرب نفوذ متعددة المستويات؛ حيث تتواجه القوى الإقليمية بشكل مباشر، بينما تدير القوى الكبرى الغرب وروسيا الصراع من الخلف، مع الحرص على عدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة فيما بينها .
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذا المشهد هو محاولة النظام الإيراني إضفاء شرعية دينية على مشروعه السياسي. فبينما يرفع شعارات دينية، تكشف ممارساته أن الدين يُستخدم كأداة تعبئة وتبرير، وليس كمنظومة قيم حضارية أو مرجعية أخلاقية جامعة، بل كوسيلة لتوسيع النفوذ وفرض الهيمنة.
الخلاصة: نحن أمام مشهد استراتيجي مركّب، تتداخل فيه المصالح الدولية مع الطموحات الإقليمية، حيث تتعاون روسيا مع إيران ضمن حدود واضحة، بينما تسعى طهران إلى توظيف هذا الدعم لتعزيز مشروعها. وفي قلب هذا المشهد، يبقى التحدي الحقيقي في التمييز بين الدين كقيمة، واستخدامه كأداة في صراع على النفوذ.
ولهذا، فإن تصوير الحرب على إيران على أنها حرب على الإسلام أو مواجهة دينية ليس سوى رواية دعائية يروّج لها النظام الإيراني لخداع الرأي العام؛ إذ إن الصراع في حقيقته صراع سياسي واستراتيجي مع نظام يستخدم الدين غطاءً لمشروع نفوذ وهيمنة، لا دفاعًا عن الإسلام ولا عن قضاياه.