الأردن لا يفرّط بسيادته… بل يحميها بالشراكة
السفير ماهر لوكاشه
27-03-2026 01:45 PM
في زمنٍ تتكاثر فيه الأحكام السريعة وتُختزل فيه القرارات السيادية إلى شعارات، يصبح من الضروري إعادة ضبط النقاش حول طبيعة التحالفات الدولية، بعيداً عن الانفعال، وقريباً من ميزان المصالح الوطنية العليا. ولعل اتفاقية التعاون الدفاعي بين المملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأمريكية تمثل نموذجاً واضحاً لحالة أُسيء فهمها، أو أُريد لها أن تُفهم خارج سياقها الحقيقي.
ومن واقع خبرتي في العمل الدبلوماسي، واطلاعي على طبيعة العلاقات الدولية وتعقيداتها، أستطيع القول بثقة إن قراءة مثل هذه الاتفاقيات بمنطق أبيض أو أسود، إنما تفتقر إلى الفهم العميق لكيفية إدارة الدول لمصالحها في عالم لا تحكمه النوايا، بل التوازنات الدقيقة. فالدولة التي لا تُحسن بناء تحالفاتها، تترك أمنها عرضة للفراغ، والفراغ في هذه المنطقة تحديداً لا يبقى طويلاً دون أن تملأه المخاطر.
الأردن، منذ نشأته الحديثة، لم يكن يوماً دولة هامشية في معادلات الإقليم، بل كان دائماً في قلب التوازنات الدقيقة، يدير موقعه الجغرافي والسياسي بحكمة نادرة. وعبر مسيرتي الدبلوماسية ، شهدت كيف استطاع الأردن، بقيادته الهاشمية الوطنية والحكيمة ، أن يحافظ على هذا التوازن رغم العواصف التي عصفت بالمنطقة، مستنداً إلى نهج يقوم على الاعتدال , الوسطية ، والواقعية السياسية، والقدرة على بناء شراكات موثوقة دون التفريط بالقرار الوطني.
إن من يقرأ اتفاقية التعاون الدفاعي بعين قانونية مجردة، يدرك أنها لا تنشئ وضعاً استثنائياً خارج قواعد القانون الدولي، بل تندرج ضمن إطار معروف ومستقر من الاتفاقيات الثنائية التي تنظم وجود قوات أجنبية بموافقة الدولة المضيفة. فالأرض تبقى أردنية، والسيادة لا تُنقل، والقرار يظل بيد الدولة التي اختارت، بإرادتها الحرة، أن تعزز أمنها من خلال التعاون لا العزلة.
وأقول هنا بوضوح، إن الخلط بين السيادة كحق قانوني، والسيادة كأداة ممارسة، هو جوهر الالتباس في هذا النقاش. فالسيادة في عالم اليوم لا تعني الانغلاق، بل تعني القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، حتى لو كان هذا القرار يقوم على بناء تحالفات استراتيجية. ومن يظن أن الاستقلال يتحقق برفض كل أشكال التعاون، إنما يتجاهل حقيقة أن الدول لا تُقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على حماية مصالحها.
لقد أثبتت التجربة الأردنية، على امتداد عقود، أن الشراكة مع الولايات المتحدة لم تكن يوماً عبئاً على القرار الوطني، بل كانت في كثير من الأحيان ركيزة لتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية، وتطوير المؤسسات، والحفاظ على الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. ولم يكن هذا التعاون قائماً على التبعية، بل على معادلة دقيقة تجمع بين المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وفي تقديري، فإن قرار جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم يأتي امتداداً لهذا النهج الراسخ، لا خروجاً عليه. فهو قرار يعكس قراءة عميقة لمتغيرات الإقليم، وإدراكاً واعياً لحجم التحديات التي تحيط بالأردن، من تهديدات تقليدية وغير تقليدية، إلى تحولات في بنية النظام الدولي نفسه. وفي مثل هذا السياق، لا يكون الحذر ترفاً، بل واجباً، ولا يكون بناء الشراكات خياراً، بل ضرورة.
إن الدفاع عن هذه الاتفاقية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انحيازاً سياسياً، بل بوصفه دفاعاً عن مفهوم الدولة القادرة على اتخاذ قراراتها بثقة، دون أن تنجر وراء خطاب المزايدة أو ضغوط اللحظة. فالأردن، كما عرفناه، لم يكن يوماً تابعاً، ولن يكون، لكنه أيضاً لم يكن معزولاً، ولن يكون. وبين التبعية والعزلة، اختار دائماً طريق الدولة التي تدرك وزنها، وتحسن استخدامه.
وفي النهاية، تبقى السيادة الحقيقية هي تلك التي تُمارس بوعي، وتُصان بالقوة المتزنة، وتُترجم إلى قدرة فعلية على حماية الوطن واستقراره. وهذا، في تقديري، هو جوهر ما تسعى إليه الدولة الأردنية، بقيادة جلالة سيدنا حفظه الله ورعاه ، في مثل هذه القرارات التي تُبنى على حسابات دقيقة، لا على انطباعات عابرة.