لماذا فشلت "القومية والاسلام هو الحل وخندق المقاومة" .. وبقيت الدولة الوطنية؟
م. وائل سامي السماعين
27-03-2026 07:20 PM
على مدى عقود، تعاقبت على العالم العربي ثلاثة شعارات كبرى: القومية العربية، والإسلام هو الحل، وخندق المقاومة. حملت هذه المشاريع وعودًا كبيرة، لكنها في التطبيق العملي كشفت حدودها، بل وأحيانًا كلفت الدول والمجتمعات أثمانًا باهظة. وتجارب العالم تؤكد أن هذه ليست حالة عربية فقط، بل نمط يتكرر عندما تتقدّم الأيديولوجيا على الدولة.
بدأت القومية العربية كمشروع وحدوي طموح، لكن تجربة الوحدة بين مصر وسوريا انهارت سريعًا نتيجة غياب المؤسسات المتوازنة. ثم جاءت حرب 1967 لتكشف الفجوة بين الشعارات والقدرة الفعلية. وهذا النمط ليس فريدًا؛ ففي أوروبا الشرقية، أدّى النموذج القومي-الأيديولوجي الجامد إلى انهيار تفكك يوغوسلافيا، حيث تحوّل خطاب الهوية إلى صراع دموي بين مكونات الدولة. كما أن تفكك الاتحاد السوفيتي أظهر كيف أن المشاريع الأيديولوجية الكبرى، إذا لم تُبنَ على مؤسسات مرنة، تنتهي بالتفكك.
أما شعار الإسلام هو الحل، فرغم عمقه القيمي، فقد واجه تحديات التطبيق. في الحرب الأهلية في الجزائر تحوّل الصراع السياسي إلى حرب دامية. وفي الحرب الأهلية السورية ساهم تعدد المرجعيات الدينية في تعقيد المشهد. وعلى المستوى العالمي، نجد أن الأيديولوجيات الدينية أو العقائدية الصلبة واجهت نفس الإشكالية؛ فمثلاً، في الثورة الإيرانية، ورغم نجاحها في إسقاط النظام، إلا أن نموذج الحكم واجه تحديات مستمرة في التوازن بين العقيدة ومتطلبات الدولة الحديثة، داخليًا وخارجيًا, واصبح النظام الايراني عدوا للعالم واداة هدم وتدمير في العالم العربي والبشرية.
أما خندق المقاومة، فقد منح شرعية شعبية للصراع، لكنه في حالات كثيرة أضعف الدولة. في الحرب الأهلية اللبنانية أدى تعدد القوى المسلحة إلى انهيار الدولة ، وخصوصا تلك الانتماءات الطائفية مثل حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن والحشد الشعبي في العراق التي وضعت انتمائها الطائفي فوق مصلحة دولها . وعلى المستوى العالمي، يمكن ملاحظة نمط مشابه في الحرب الأهلية في الصومال، حيث أدت الميليشيات والصراعات المسلحة إلى تفكك الدولة بالكامل. كما أن الحرب في أفغانستان تُظهر كيف أن استمرار منطق الصراع المسلح يعيق بناء مؤسسات مستقرة.
في المقابل، تقدم التجارب الناجحة نموذجًا مختلفًا. بعد دمار الحرب العالمية الثانية، أعادت دول مثل ألمانيا واليابان بناء نفسها على أساس الدولة الوطنية المؤسسية: دستور، قانون، اقتصاد إنتاجي، ومؤسسات قوية، فتحولت من دول مدمرة إلى قوى اقتصادية عالمية. وكذلك سنغافورة، التي لم تعتمد على شعارات أيديولوجية كبرى، بل على الحوكمة والانضباط المؤسسي، فأصبحت نموذجًا عالميًا في التنمية.
عندما تُبنى الدول على الشعارات، فإنها تبقى رهينة للصراع والانقسام. أما عندما تُبنى على المؤسسات والقانون وحقوق الإنسان، فإنها تملك القدرة على الاستمرار والتقدم.
التاريخ، عربيًا وعالميًا، يثبت أن الشعارات مهما كانت جاذبيتها لا تصنع دولًا. الدولة الوطنية—بمؤسساتها، وقانونها، واحترامها للإنسان—هي وحدها التي تبقى.