facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"الفن الأردني" بعد انتخابات النقابة: بين استحقاق المجلس وامتحان المستقبل


فيصل تايه
28-03-2026 09:18 AM

مع انتهاء يوم انتخابي حافل، أسفرت نتائج انتخابات نقابة الفنانين الأردنيين للدورة ٢٠٢٦–٢٠٢٨ عن فوز الدكتور "هاني الجراح" بمنصب النقيب، بعد حصوله على ٢٠٩ أصوات، مقابل ١١٠ أصوات لمنافسه الفنان محمد الضمور ، ليقود مجلساً يضم نخبة من المبدعين الذين نالوا ثقة زملائهم في مختلف الشعب الفنية من تمثيل وإخراج وموسيقى ومهن تقنية، في مشهد يعكس حراكاً نقابياً واضحاً وإرادة حقيقية لدى الهيئة العامة في اختيار من يقود المرحلة المقبلة.

​هذا الفوز، بأرقامه ودلالاته، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد نتيجة انتخابية، بل باعتباره بداية مرحلة جديدة تحمل في طياتها أسئلة أكبر من الأرقام نفسها: ماذا يعني هذا الاختيار؟ وما الذي ينتظره الفنانون من النقيب الجديد؟ وهل نحن أمام فرصة حقيقية للتغيير، أم أمام اختبار جديد لإرادة الإصلاح داخل النقابة؟

​لقد قالت الهيئة العامة كلمتها، لكن الكلمة الأهم لم تُقل بعد، لأنها لا تُقاس بصناديق الاقتراع، بل تُقاس بما سيُنجز على الأرض، فالتجارب السابقة علمتنا أن الفوز لا يعني النجاح، وأن النوايا الحسنة لا تكفي ما لم تتحول إلى قرارات واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، ونتائج ملموسة يشعر بها الفنان في حياته المهنية اليومية.

إن فوز الدكتور هاني الجراح اليوم، ومعه كوكبة من زملائه الذين نالوا ثقة زملائهم في المجلس الجديد، يضعهم جميعاً مباشرة في قلب معادلة صعبة: معادلة التوقعات المرتفعة مقابل واقع مليء بالتحديات، فالنقابة، كما يعرف الجميع، لا تبدأ من نقطة الصفر، بل من تراكمات طويلة من الإخفاقات الجزئية، والفرص الضائعة، والوعود التي لم تكتمل، وهذا يعني أن المرحلة القادمة لن تكون امتداداً إدارياً لما سبق، بل ينبغي أن تكون قطيعة واعية مع نمط لم يعد مقبولاً.

​الفن الأردني، الذي أثبت قدرته على الحضور في لحظات متفرقة، ما زال يبحث عن الاستمرارية، وعن مظلة مؤسسية تحمي منجزه وتطوره، وما لم تتحول النقابة إلى قوة حقيقية في هذا الاتجاه، فإن أي حديث عن تطوير سيبقى في إطار الأمنيات، فالمشكلة لم تكن يوماً في غياب المواهب، بل في غياب المنظومة التي تستثمرها وتدافع عنها.

​غير أن هذا الاستحقاق لا يقف عند حدود النقابة بوصفها إطاراً مهنياً، بل يمتد إلى موقع الفن الأردني في السردية الوطنية، فالفنان ليس مجرد صاحب مهنة، بل هو حامل لذاكرة المجتمع، ومرآة لتحولاته، وصانع لوعيه الجمعي، ومن هنا، فإن أي ضعف في هذا الدور لا يُعد خسارة فنية فحسب، بل تراجعاً في قدرة المجتمع على التعبير عن نفسه وصياغة حكايته، وهذا ما يضع على عاتق النقابة، ومجلسها الجديد، مسؤولية تتجاوز الإدارة إلى الإسهام الحقيقي في بناء المشهد الثقافي الوطني.

​إن هذا الاستحقاق يفرض على المجلس الجديد وعياً استثنائياً بمتغيرات العصر ، فنحن اليوم أمام استحقاق تكنولوجي ورقمي لم يعد يمهل أحداً، ما يوجب على النقابة مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي وأدوات الحداثة لحماية الحقوق الفكرية والمادية لمنتسبيها في سوق عالمي مفتوح ، كما أن الانتقال من العمل الإداري إلى عقلية المنتج والشريك يتطلب مأسسة حقيقية للإبداع، بحيث لا يبقى الفنان وحيداً في مواجهة الأسواق العربية، بل يجد في نقابته ذراعاً تسويقية وقانونية تضمن وصول موهبته للمنصات الكبرى ، وهذا لن يتحقق إلا بلملمة الصفوف واستثمار كافة الطاقات "حتى تلك التي تنافست بشرف في صناديق الاقتراع" فالمرحلة تتطلب وحدة الهدف، وتفعيل الأدوات القانونية كقوة ضغط تضمن كرامة الفنان أمام تغول عشوائية الإنتاج ، ليكون المجلس القادم مظلة للفعل لا لمجرد القول.

​لكن هذه المسؤولية، بكل وضوح، لا يمكن التعامل معها بالخطاب التقليدي، فقد اعتدنا، عبر دورات متعاقبة، على وعود كبيرة لا تلبث أن يتراجع أمام الواقع، وعلى خطابات طموحة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وهو ما يجعل المرحلة الحالية محكومة بذاكرة نقدية لا تسمح بإعادة إنتاج التجربة ذاتها، بل تفرض اختباراً صارماً لكل ما سيُطرح من برامج ورؤى.

​ومن هنا، فإن الثقة التي منحتها الهيئة العامة ليست تفويضاً مفتوحاً، بل مسؤولية مشروطة بالأداء، وهي ثقة يمكن أن تتعزز سريعاً إذا لمس الفنانون تغييراً حقيقياً، كما يمكن أن تتآكل بالسرعة ذاتها إذا عاد الخطاب القديم دون نتائج جديدة.

​إن التحدي الحقيقي الذي يواجه "النقيب الجديد" وأعضاء المجلس، لا يكمن فقط في إدارة شؤون النقابة، بل في إعادة تعريف دورها بالكامل: أن تتحول من جهة تنتظر الدعم إلى جهة تصنعه، ومن مظلة شكلية إلى قوة ضغط حقيقية، ومن إطار إداري إلى مؤسسة تفكر بعقلية الإنتاج والشراكة والانفتاح.

​وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن المرحلة القادمة لن تُدار بلغة التبرير، فالتحديات معروفة، والإمكانات محدودة، نعم، لكن ذلك لم يعد مبرراً كافياً لغياب الإنجاز، بل على العكس، أصبح اختبار القيادة الحقيقي هو القدرة على العمل ضمن هذه القيود وتحويلها إلى فرص.

​بقي أن أقول: قد يكون من المبكر إصدار أحكام نهائية، لكن من المبكر أيضاً منح تهنئة مطلقة، فالمعيار الحقيقي يبدأ الآن، من اليوم التالي للانتخابات، من القرارات الأولى، ومن الخطوات التي ستحدد إن كنا أمام بداية مختلفة، أم استمرار مألوف بوجوه جديدة.

وفي النهاية، يبقى الأمل مشروعاً، لكنه ليس كافياً وحده، فما يحتاجه الفن الأردني اليوم هو إرادة حقيقية، ورؤية واضحة، وشجاعة في اتخاذ القرار.

​أما التهنئة، في هذه المرحلة، فليست موقفاً واجباً، بل استحقاقاً مؤجلاً، لتكون هناك تهنئة حقيقية، حين يكون الإنجاز شعار المرحلة القادمة.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :